بقلم ✍️ د. سحر سالم (الخبير الإعلامي واستشاري الصحة النفسية ـ مدير عام إذاعة القناة سابقا تُعد قضية الكلاب الضالة واحدة من أكثر القضايا المجتمعية حساسية، لأنها تمس خطًا دقيقًا بين حق الإنسان في الأمان، وحق الحيوان في الحياة والرحمة. فالمشهد المتكرر في شوارعنا من تكاثر الكلاب الضالة، وما يصاحبه من مخاوف حقيقية على الأطفال وكبار السن، يفرض علينا البحث عن حلول جذرية، عقلانية، وإنسانية في آنٍ واحد. المشكلة في جوهرها ليست وجود الكلاب، بل غياب الإدارة الرشيدة لوجودها. فأساليب القتل أو الإيذاء التي يلجأ إليها البعض بدافع الخوف أو الغضب لا تحل الأزمة، بل تزيدها تعقيدًا، وتتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي وباقي الشرائع السماوية التي دعت إلى الرحمة بالحيوان، كما تتنافى مع عاداتنا وتقاليدنا المجتمعية التي ترفض القسوة بلا سبب. الحل الإنساني الأكثر فاعلية، والذي أثبت نجاحه في كثير من دول العالم، هو التعقيم المنظم للكلاب الضالة. فالتعقيم يحد من التكاثر العشوائي، ويُسهم في تقليل الأعداد تدريجيًا دون إراقة دماء، كما يقلل من السلوك العدواني الناتج عن التزاوج والصراعات. وهو حل علمي وأخلاقي يتسق مع مقاصد الشريعة في حفظ النفس ودرء الضرر، ويوازن بين حماية الإنسان وصون حق الحيوان في الحياة. وفي السياق نفسه، يبرز إنشاء شِلتر أو ملاجئ متخصصة للكلاب في كل محافظة كحل عملي ومستدام. فهذه الشِلترات لا تعني الحبس أو العزل القسري، بل توفير بيئة آمنة تخضع فيها الكلاب للرعاية البيطرية، والتطعيم ضد مرض السعار، والتعقيم، مع وضع علامات تعريفية لمتابعتها صحيًا وسلوكيًا. وبذلك يمكن السيطرة على أعداد الكلاب ومنع انتشار الأمراض، دون أن تتحول الشوارع إلى ساحات خوف أو عنف. ولا يمكن إغفال البُعد الإنساني المتعلق بحماية الأطفال، فسلامتهم مسؤولية لا تقبل التهاون. ومن هنا تأتي أهمية التوعية المجتمعية، سواء للأسر أو للأطفال، بأساليب التعامل الآمن مع الحيوانات، وعدم استفزازها، إلى جانب دور الجهات المعنية في تنظيم وجود الكلاب بعيدًا عن المدارس والمناطق السكنية المكتظة. إن قضية الكلاب الضالة ليست صراعًا بين الإنسان والحيوان، بل اختبار حقيقي لوعينا المجتمعي وإنسانيتنا. فالمجتمع الذي ينجح في حماية أفراده دون قسوة، ورعاية الحيوان دون فوضى، هو مجتمع أكثر نضجًا، وأكثر رحمة، وأكثر أمانًا للجميع. إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع."جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"المصدر :" almessa "