أعيش، ككاتب، بين عالمين لا يفصل بينهما بحر ولا قارة، بل يفصل بينهما تصور مختلف تمامًا للعقل والوقت والإنسان. عالم يُدار بالصمت المنظّم، وآخر تحكمه الضوضاء بوصفها أسلوب حياة. في ألمانيا، النظام ليس تعليمات رسمية ولا لوائح معلّقة، بل سلوك ذهني متراكم. يتجلى ذلك في أبسط التفاصيل اليومية. داخل الحافلة أو المترو، قبل أن يجلس الراكب، قد يتجه بهدوء إلى الخلف حيث توجد رفوف صغيرة خلف السائق تضم كتبًا متاحة للاستعارة. مكتبة داخل الحافلة، بلا إعلان ولا استعراض. يختار كتابًا، أو يفتح حقيبته ليخرج كتابه الخاص، ثم يجلس ويقرأ حتى يصل إلى عمله أو منزله. لا موسيقى تُفرض، لا مكبرات صوت، لا أحاديث عشوائية. الصمت هنا ليس فراغًا، بل اتفاقًا جماعيًا غير مكتوب: احترام المساحة الذهنية للآخر. الطريق ليس زمنًا ميتًا، بل وقت يمكن استثماره. هذا الصمت لا يعني برودًا، بل يدل على عقل تعلّم كيف يكون وحده دون خوف. هذا المشهد ليس تفصيلًا حضاريًا عابرًا، بل نتيجة تربية طويلة على التفكير النقدي. الفرد يتعلم منذ الصغر أن يسأل، أن يشك، أن يراجع، وأن يفصل بين الرأي والمعلومة. لذلك لا يحتاج إلى الضجيج ليؤكد وجوده، ولا إلى الصوت العالي ليملأ فراغًا داخليًا. وعندما أعود إلى عالمنا، لا أحتاج إلى مقارنة مطوّلة. الفارق يهاجم الأذن فورًا. في حافلاتنا، الصوت يسبق الفكرة. الأغنية تُشغَّل كأنها حق مكتسب، لا خيار شخصي. الصمت يُقابل بالريبة، ومن لا يتكلم كثيرًا يُساء فهمه. الضوضاء لم تعد سلوكًا فرديًا، بل تحولت إلى هوية جمعية. الأمر لا يتوقف عند المدينة. كان الريف، حتى وقت قريب، يُعرف بالهدوء. الليل فيه كان ليلًا حقيقيًا: سكون، نوم متصل، ومساحة يستعيد فيها العقل توازنه. اليوم، تبدّد هذا الامتياز بلا حرج. أصوات التكاتك والدراجات النارية اقتحمت كل شيء، في النهار والمساء وبعد منتصف الليل. قد تكون داخل بيتك أو محل صغير، وفجأة تمر دراجة نارية كأنها تخترق المكان، يقودها شاب أهوج يرفع الضجيج شعارًا باسم “الحرية”. لكن أي حرية هذه التي تقوم على إلغاء الآخرين؟ وأي حق يبدأ من الأذن وينتهي بتخريب النوم والأعصاب والتركيز؟ ما يحدث ليس فوضى صوتية فقط، بل تعبير مباشر عن ثقافة التفاهة. ثقافة تجعل الضجيج قيمة، والاستعراض ضرورة، والفراغ إنجازًا. ثقافة يُقاس فيها الإنسان بعدد المشاهدات لا بعمق الفكرة، وبسرعة الانتشار لا بسلامة المعنى. شبكات التواصل الاجتماعي لعبت دور المسرّع الأخطر في هذه العملية. تحولت من فضاء للتواصل إلى ساحات فرجة. الجمهور لا يقرأ، بل يحدّق. لا يفكّر، بل يتفاعل. ولا يسأل، بل يصفّق أو يشتم. في هذا المناخ، لم تعد ثقافة الصمت حيادًا، بل أصبحت ضرورة.الصمت اليوم ليس انعزالًا، بل ملاذًا نفسيًا من التفاهة المستمرة. ولهذا نشهد انسحابًا صامتًا لكثير من العقول: تقليل تفاعل، تجنّب نقاش، عزلة اختيارية. لكن هذا الانسحاب ليس دائمًا دليل نضج، بل في كثير من الأحيان استجابة دفاعية. هشاشة الفكر العام، وسطحيّة النقاش، وانعدام أدوات التحليل، كلها أعراض تحتاج - بوضوح - إلى مقاربة علماء نفس واجتماع، لا إلى خطب تحفيزية ولا منشورات أخلاقية.العقل الذي لم يُدرَّب على القراءة النقدية يتحطم سريعًا أمام سيل المحتوى. يتوتر، ينفعل، ثم يهرب: إما إلى الضجيج، أو إلى صمت كامل.ولا يملك مساحة وسطى للفهم. من تجربتي ككاتب، ألاحظ أن أي نص جاد لا يُناقش بقدر ما يُحاكم. إذا كتب مثقف أو مفكر مقالًا نقديًا، لا تُفكَّك أفكاره، بل تُطلق عليه الاتهامات الجاهزة: متعالٍ، سلبي، كئيب، معقّد، لا يفهم “الناس”. والمفارقة أن كثيرين ممن يهاجمونه لم يقرأوا المقال أصلًا، العنوان وحده يكفي لإثارة رد فعل نمطي محفوظ. نحن هنا لا نواجه اختلاف أذواق، بل أزمة وعي.ثقافة التفاهة لا تعادي الفكر فقط، بل تعادي الصمت، لأن الصمت يفضحها. والتفكير النقدي يهدد بنيتها القائمة على الاستهلاك السريع والانفعال اللحظي.بين عالم يحترم الصمت لأنه يحترم العقل، وعالم يخشى الصمت لأنه يخشى مواجهة نفسه، أعيش تجربتي ككاتب، لا منحازًا جغرافيًا، بل منحازًا لفكرة واحدة: أن الإنسان لا يُقاس بصوته العالي، بل بقدرته على التفكير بهدوء.، ، !! محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية.. ، ، ،