الكثيرون في الكويت يحتفظون بذاكرة حديدية تستطيع أن تروي آلاف القصص والحكايات والمواقف والمشاهد عن ماضي البلاد ورجالاتها وأحداثها وظروف الناس المعيشية ومواقفهم الإنسانية، قبل بدء عملية النهضة العمرانية والحضارية والانفتاح على الخارج منذ خمسينات القرن العشرين. أحد هؤلاء الذين عاش الماضي بصعوباته وقسوته وعاش الحاضر بترفه ونعيمه، وكان شاهداً على زمن الطيبين بعبقه وأريجه هو «عبدالرحمن الدعيج»، ابن المحسن الكبير «عبدالعزيز محمد الدعيج»، العلامة البارزة في البذل والعطاء ومساعدة الآخرين، وصاحب ماء السبيل المعروف الذي له اليوم من العمر نحو قرن ونصف القرن. والأخير، من ناحية أخرى، هو ابن عم للتاجر محمد العلي الدعيج مؤسس «سوق الدعيج التجاري» أو «سوق بن دعيج»، الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى عام 1857، وكان مركزاً تجارياً مهماً يلبي احتياجات الناس المختلفة قديماً. كما أنه ابن عم للشيخ عبدالرحمن العلي الدعيج (1873 ــ 1963)، الذي كان من أوائل المعلمين في الكويت، ومن ضمن أول هيئة تدريس بالمدرسة المباركية سنة 1917، فتتلمذ على يديه العديد من رجالات الكويت المعروفين، وبعض شيوخ آل صباح الكرام، وتم تكريمه بإطلاق اسمه على مدرسة بمنطقة الصباحية عام 1963.
نخصص هذه المادة للحديث عن المحسن الدعيج، لنقف على آثاره وحكاية وقفه الخالد المتمثل في سبيل الماء المعروف، لأن الحديث عنه هو حديث عن شذرات من تاريخ الكويت الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ونستعين في ذلك بما رواه عنه ابنه عبدالرحمن بن عبدالعزيز الدعيج في المقابلات التي أجراها مع عدد من صحف الكويت، وتحديداً صحيفة «الأنباء» (28 سبتمبر 2013)، وصحيفة «الرأي» (7 مايو 2010).
وُلد «عبدالعزيز بن محمد بن عبدالمحسن بن عبدالرحمن بن احمد الدعيج» (لم نجد له صورة فوتوغرافية للأسف) في الشماسية بالقرب من مدينة عنيزة النجدية في عام 1840، وعمل لبعض الوقت في القصيم، قبل أن ينزح إلى الكويت مع والده وأعمامه وأخويه علي وعبدالمحسن.
في الكويت، درس بأحد كتاتيب البلاد القديمة، ثم دربه عمه على العمل التجاري، ففتح دكاناً له في «سوق بن دعيج» كان يبيع من خلاله الأرزاق والأغذية. حقق عبدالعزيز من وراء عمله التجاري نجاحاً كبيراً، وزادت ثروته تدريجياً، علماً بأن مؤسس «سوق بن دعيج» هو ابن عمه محمد العلي الدعيج، الذي اقتطع في بادئ الأمر غرفة من بيته واستخدمها دكاناً، فقلده آخرون وقاموا بافتتاح دكاكين من حوله إلى اليمين واليسار. وهكذا نشأ «سوق بن دعيج» الشهير في وقت مبكر من تاريخ الكويت في القرن التاسع عشر.
يخبرنا الابن عبدالرحمن، فيقول ما مفاده، إن والده عبدالعزيز كان يذهب إلى فُرضة الكويت لشراء الحنطة الواردة بحراً من العراق وإيران من الحاج صالح معرفي، وأنه أوصى ذات مرة على كمية كبيرة من الحنطة بسعر روبيتين ونصف للمنّ الواحد (المنّ من الأوزان القديمة في الخليج وتعادل 120 كيلوغراماً)، ثم حدث أن ارتفع السعر إلى أضعاف ذلك حتى وصل إلى 28 روبية للمنّ. لاحظ معرفي أن الدعيج لم يأتِ لأخذ بضاعته، فذهب إليه متسائلاً، فقال الدعيج كيف آخذها وقد ارتفع سعرها؟ لكن معرفي أصر أن يبيعه بالسعر المتفق عليه وهو روبيتان ونصف للمنّ. وهذا أحد الأمثلة الجميلة عما كان سائداً في مجتمعات الرعيل الأول من قيم ومبادئ.
كانت فكرة بناء سبيل ماء قد طرأت على عبدالعزيز الدعيج منذ أن كان عمره 12 سنة، فنفذها لاحقاً بما أفاء الله عليه من نعمه وخيراته. حيث بدأ بوضع غرشتين (قارورتين) من مياه الأمطار أمام منزله للعطشى من المارة، ثم وضع بدلهما حِباً (الحب، بكسر الحاء وعاء فخاري كبير)، ثم توسع في الفكرة فبنى في «سوق بن دعيج» في العام 1876 أول وأقدم سبيل ماء في الكويت، وجعله وقفاً. سبيل الماء هذا كان نواة لسُبل أخرى موزعة على مواقع متفرقة في الكويت، ويبلغ عددها اليوم نحو 200 سبيل، بما فيها تلك الموجودة داخل المدارس والمستشفيات.
ويتذكر الابن عبدالرحمن أنه في إحدى زيارات الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح لديوانية الدعيج في شهر رمضان قال سموه إنه شرب من السبيل ذات مرة وكان معه أخوه الشيخ صباح الأحمد الصباح رحمهما الله.
بقدر حرصه على الإسهام في سد عطش المارة ومرتادي الأسواق، وكانوا كثراً يأتون من الصحارى في تلك الأيام، قام الدعيج بسد حاجات المعوزين، والإنفاق، بما رزقه الله، على المحتاجين. إلى ذلك كان حريصاً على تحقيق الوئام بين الناس، فكان يسارع إلى الصلح بينهم وإزالة خصوماتهم، حتى أصبح مشهوراً بين الناس بذلك، وكان حاكم الكويت آنذاك الشيخ سالم المبارك الصباح يستعين به في هذا الغرض. وقد جاء على ذكر ذلك الشيخ عبدالله النوري في كتابه «حكايات من الكويت»، ومما ذكره النوري أن اثنين من المتخاصمين حضرا ذات مرة إلى مجلس الشيخ سالم لحل خصومتهما، فلما عرف الشيخ أنهما من سكنة حي عبدالعزيز الدعيج، أحالهما إلى الدعيج للحكم بينهما. وعند حضور عبدالعزيز الدعيج لمجلس الشيخ سالم، قال له الشيخ: «لا يأتيني من عندك أحد، أنت افصل في خصوماتهم»، ثم قال للحضور: «إني أعرف أن عبدالعزيز الدعيج من المخلصين، وإخلاصه يأمره بالإصلاح، وهو شيخ صالح، وله مكانته في مجتمعه، ويحترمه الجميع، وهو قادر أن ينضم دائماً إلى المظلوم فيقوى به على أخذ حقه».
ومما قاله ابنه عبدالرحمن في معرض الحديث عن والده عبدالعزيز، أن الأخير كانت له أوقاف كثيرة، وأنه من ريع هذه الأوقاف كان ينفق على جميع أقاربه وأنسابه من آل دعيج، وعلى الفقراء والمحتاجين، وكان يقوم بتوزيع الطعام بكميات كبيرة، خصوصاً خلال شهر رمضان، إذ يتم مثلاً توزيع عشرة آلاف كيس من الأرز ومثلها من السكر، وآلاف العلب من السمن على الفقراء المتزاحمين على ديوان الدعيج.
وقبل وفاته رحمه الله في عام 1936، ترك المحسن عبدالعزيز الدعيج وصية شهد عليها الشيخ أحمد الجابر الصباح رحمه الله، حاكم الكويت في الفترة من 1921 إلى 1950، والشيخ عبدالله الجابر الصباح (رئيس المحاكم والمعارف آنذاك)، وحمد الخالد عميد عائلة الخالد المعروفة، والتاجر يوسف البدر، والوجيه المعروف هلال فجحان المطيري، والوجيه شملان بن علي، بينما تولى كتابة الوصية قاضي الكويت الشيخ عبدالله الخلف الدحيان.
تزوج الدعيج ثلاث مرات، وأنجب من زيجاته الثلاث عشرة أبناء ذكوراً وسبع بنات، وكانت زوجته الأولى قحطانية توفيت بعد أن أنجبت ستة أبناء، أما الأخيرة فهي والدة ابنه عبدالرحمن الذي أصبح لاحقاً وصياً على سبيل الماء والأوقاف الخيرية، وما تركه من عقارات بلغ عددها نحو أربعين عقاراً، قبل أن يسلم سُبل الماء إلى وزارة الأوقاف الكويتية لتفادي العبث بها.
تحدث عبدالرحمن الدعيج عن والدته فأخبرنا أنها تمتّ بصلة قرابة لزوجها عبدالعزيز الدعيج، وأنها تعلمت القراءة والكتابة والحديث والقرآن على يد والدها في مدينة بريدة السعودية قبل أن تحضر إلى الكويت مع أهلها، وبسبب عشقها للقراءة كوّنت لنفسها مكتبة قيمة أورثتها له. كما أخبرنا أن والدها (جد المترجَم له لأمه) كان من رجالات المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود طيب الله ثراه المرموقين، وأنها حجت 30 مرة، وكانت فقيهة وتقتدي بآداب الصحابيات الجليلات في سلوكها ولبسها وكلامها، وكانت على علاقة صداقة مع الأميرة هيا بنت تركي بن عبدالعزيز بن عبدالله بن تركي آل سعود، زوجة الملك الشهيد فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله ووالدة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل.
وأضاف الابن عبدالرحمن الدعيج، أنه حج سبع مرات مع والدته وأنهم كانوا يحجون مع الأميرة هيا ويقيمون في ضيافتها، وأنهم بقوا ذات مرة سنة كاملة في الحجاز، التحق هو أثناءها بمدرسة في مكة المكرمة.
نأتي الآن على إيراد شيء من سيرة الابن عبدالرحمن بن عبدالعزيز الدعيج، الذي صار وصياً على سبيل الماء الأثري وأوقاف والده منذ عام 1960 خلفاً لأخيه صالح الذي أدار السبيل والأوقاف منذ عام 1929/1928، وُلد الدعيج الابن في منتصف ثلاثينات القرن العشرين في بيت الدعيج الكبير ذي المساحة الشاسعة (1,400 متر مربع)، والمحتوي على 26 غرفة على الأرض وست غرف على السطح. ويتذكر عبدالرحمن أن الحكومة أرادت أخذ المنزل بالتثمين، لكنه طلب منها أن يحوله إلى دكاكين فوافقت في عام 1963، «فقمتُ بهدم القديم وبنيت مكانه دكاكين جديدة»، ويضيف أن والده كان يملك 11 منزلاً و12 دكاناً بالقرب من برج التحرير الحالي، وأن الحكومة ثمنتها في عام 1956.
سوق العمل
دخل عبدالرحمن سوق العمل وقت أن كان عمره 15 سنة، فعمل كاتباً ومحاسباً لدى دائرة الأشغال زمن وزيرها الشيخ فهد السالم رحمه الله، براتب قدره 150 روبية شهرياً، وكان سبب ذلك أنه عاد من الحج متأخراً عن الدراسة، فتم فصله، وإبان عمله بدائرة الاشغال أعلنت دائرة المعارف عن افتتاح فصول دراسية مسائية دون دروس الموسيقى والرسم والتربية الرياضية، فانضم إليها بمدرسة بن رشيد في الفيحاء، وهو عمل شجعه عليه رئيسه في دائرة الأشغال محمد يوسف النصف برفع راتبه إلى الضعف. علاوة على ذلك درس عبدالرحمن حساب الغوص والمواد الدينية والفقهية لمدة عامين على يد الملا مرشد في مدرسته، ودرس اللغة الانجليزية على يد عبدالرحمن الرويح. بعد ذلك التحق بالمدرسة الأحمدية لدراسة المرحلة المتوسطة، وأعقبها بدراسة المرحلة الثانوية في ثانوية كيفان. وبعد تخرجه من الثانوية سافر إلى لبنان حيث نال دبلوم التجارة من المدرسة الدولية اللبنانية في منتصف الستينات تقريباً، ثم عاد للعمل بوزارة الأشغال العامة زمن وزيرها خالد العيسى الصالح القناعي، وتمّ تعيينه مسؤولاً مالياً عن الطرق وخصصوا له سيارة وسائقاً. واستمر كذلك إلى أن قدم استقالته سنة 1974.
وأثناء وظيفته الحكومية وبعدها عمل صاحبنا في التجارة، وابتدأ بشراء أرض من عبدالله عبداللطيف العثمان بمبلغ 32 ألف روبية في منطقة خيطان، وباعها بعد شهرين بمبلغ 54 ألف روبية، وهو ما شجعه في سبعينات القرن العشرين على دخول مجال العقارات بيعاً وشراء ورهناً وعمولة، ومجال المقاولات والإنشاءات والوكالات. كما عمل في تأجير سيارات «الوانيت» مع سائقيها لوزارة الأشغال حينما نما إلى سمعه في عام 1956 أن الوزارة تدفع مقابل «الوانيت» الواحد مع السائق مبلغ 2,000 روبية.
أهله في السعودية
يقول عبدالرحمن، إن له أهلاً وأخوالاً في المملكة العربية السعودية لأن والدته من آل عبدالعالي، وإن أحد أحفاد خاله هو اللواء عبدالعزيز العبدالعالي الذي ساهم في تحرير الكويت ضمن الجيش السعودي، ويضيف أن صداقة وطيدة جمعته بسمو الأمير خالد الفيصل وشقيقه سمو الأمير سعد الفيصل منذ سنوات طفولتهم حينما كان هو ووالدته يذهبون للحج بمعية والدة سموهما الأمير هيا بنت تركي آل سعود. ويصف سمو الأمير خالد الفيصل بقوله: «لقد عايشت الأمير خالد عن قرب، وصدقني أني رأيت فيه أميراً بكل تصرفاته وأفعاله، وسيما الإمارة والعقل واضحة وظاهرة فيه منذ صغره حتى في لعبه، وكان يحب لعب كرة القدم جداً، وكان ذكياً وذا مزح أنيق ومهذب، كنت أرى ذلك في مزحه مع أفراد رجال القصر والحاشية».
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
