يثير صرف كميات كبيرة من الأدوية في حالات مرضية غير مزمنة تساؤلات لدى المرضى، خاصة عند تحسّن الحالة قبل انتهاء العلاج وبقاء أدوية غير مستخدمة لتعمق من مشكلة تكدس الأدوية في المنازل وتصبح في نهاية الأمر مهدرة، ما يطرح تساؤلات عن سبب عدم إمكانية إعادة استخدامها أو إعطائها لشخص آخر يعاني أعراضاً مشابهة.ويشير صرف الكميات الكبيرة من الأدوية بأصابع الاتهام إلى بعض الأطباء الذين يجدون أنفسهم مضطرين للمبالغة في وصف الدواء وطلب الفحوص والطرق العلاجية لتحقيق أعلى مردود للمنشأة الصحية التي يعملون فيها، فمن يمحي النقاط السوداء من على المعاطف البيضاء في المنشآت الصحية لحماية المرضى ووقف الهدر واستنزاف الموارد الصحية؟ وأكد أطباء أنه يتم تحديد الجرعة الدوائية ومدة الاستخدام بناء على الحالة السريرية، وفي كثير من الحالات تتحسن الأعراض قبل انتهاء العبوة، وهذا أمر متوقع ولا يُعد إسرافاً علاجياً، موضحين أن الوصفة الطبية تعتمد أساساً على التشخيص، إلا أن حجم العبوة المتاح في السوق قد يكون أكبر من المطلوب، وهو عامل تنظيمي وليس قراراً طبياً. في لقاءات لـ «الخليج» مع عدد من الأطباء في مختلف التخصصات الذين تحدثوا عن هذه القضية المهمة، قال الدكتور أحمد مروان، استشاري أمراض الجهاز الهضمي في أبوظبي، إن مدة العلاج تختلف من شخص إلى آخر حسب الحالة الطبية، فمثلاً الحالات الحادة تحتاج إلى علاج دوائي من أيام إلى أسابيع قليلة، لكن الحالات المزمنة قد تحتاج إلى علاج دوائي شهوراً إلى سنين. وأضاف: «بالتأكيد يتم تحديد كمية الدواء بناء على البروتوكولات العلاجية ذلك للحد من آثار الجانبية لاستخدام الأدوية سواء الجرعة غير المناسبة أو المدة غير المناسبة، ولا ينصح باستخدام أدوية متبقية من تشخيص سابق لمريض آخر، لأن الأعراض قد تكون مختلفة وتكون مصاحبة لمرض جديد. وأكد أن الطبيب حريص على كتابة الأدوية التي يحتاج إليها المريض وفقاً لحالته، لأن أي دواء لا يصرف بشكل صحيح للحالة المرضية يتحمل مسؤوليته الطبيب، كما أن وصف أي كميات أدوية زائدة يتدخل أحياناً التأمين الصحي، ولفت إلى أنه يمكن التخلص من الأدوية غير المستخدمة بطريقة آمنة عبر إعادتها إلى الصيدليات التي توفر برامج مخصصة لجمع الأدوية المنتهية أو غير المستعملة، أو من خلال الالتزام بتعليمات الجهات المحلية والتوجه إلى نقاط التجميع المعتمدة. التظاهرات الأساسية قالت الدكتورة ريهام شرّوف، أخصائية أمراض جلدية، إن صرف أكثر من نوع في بعض الحالات الجلدية غير المزمنة يعود إلى طبيعة المرض، موضحة أن بعض الحالات الحادة تحتاج إلى علاج التظاهرات المرضية الأساسية مثل الطفح الجلدي أو الإنتان، إلى جانب مستحضرات ملطّفة لتخفيف الأعراض المرافقة كالحكة والحرقة، فإن بعض الأمراض الجلدية تكون متعددة العوامل أو قابلة للانتكاسة، أو تتداخل فيها أكثر من آلية مرضية في حدوثها، ما يستدعي المشاركة العلاجية للحصول على تحسّن أسرع ونتيجة أدق. وأضافت أن تحديد كمية المستحضرات الموضعية يتم وفق قاعدة «وحدة طرف الإصبع» وهي بشكل مبسّط كمية الكريم الممتدّة من رأس الأنبوب إلى نهاية السلامية الأولى من الإصبع، وهذه الكمية تكفي لتغطية مساحة تعادل تقريبًا كفّي يد المريض، أي نحو 2٪ من سطح الجسم، وبناء على ذلك، لكن في الممارسة العملية نلجأ إلى تبسيط الفكرة للمريض قدر الإمكان، وذلك بالاعتماد على الوضع التشريحي للتظاهرات الجلدية: الوجه والثنيات تحتاج إلى كميات أقل بسبب رِقّة الجلد في هذه المناطق، والمساحات الواسعة تحتاج إلى كميات أكبر لضمان تغطية كافية وفاعلية العلاج. كما أنّ سواغ الدواء يؤدي دوراً في كمية الاستهلاك، فالمرهم يُستهلك عادة بكمية أقل بسبب قوامه الأثقل، بينما يُستهلك الكريم بشكل أسرع، إضافة إلى ذلك، فإن بعض المستحضرات الدوائية يُوصى باستخدامها بكميات قليلة. وقالت إن مصير الأدوية الجلدية المتبقية بعد تحسن الحالة، يُفضَّل دائماً الالتزام بتعليمات الطبيب، إذ إن بعض الأدوية يجب استخدامها لفترة زمنية محددة فقط بناء على الفحص السريري، لأن الاستمرار باستخدامها دون داعٍ قد يؤدي إلى تأثيرات جانبية، مثل الضمور الجلدي، أما بالنسبة إلى المرطبات، فيمكن متابعة استخدامها بعد تحسّن الحالة، نظراً لدورها المهم في دعم الحاجز الجلدي والمساهمة في الشفاء ومنع النكس. العبوات السببأضافت د.ريهام شرّوف، أنه فيما يخص عدم صرف كميات تتناسب مع مدة العلاج فقط، فإن معظم المستحضرات الجلدية تتوفر بعبوات ثابتة الحجم، ولا يمكن عملياً صرف «نصف أنبوب» تبعاً لمدة العلاج، كما أن الكمية المطلوبة من الدواء لا تعتمد على عدد الأيام فقط، وإنما تتأثر بعدّة عوامل، منها: نوع التظاهر الجلدي، مساحة الجلد المصابة، نوع السواغ الدوائي.وقالت: لا يُنصَح باستخدام الكريمات أو المراهم المتبقية لاحقاً لنفس المريض في حال تكرار الحالة، لذلك، فإن إعادة استخدام الدواء دون تقييم طبي جديد قد لا تكون آمنة، حتى لو بدت الأعراض مشابهة للحالة السابقة. الحالة السريريةقال الدكتور طه عبد العال، استشاري الأنف والأذن والحنجرة في أبوظبي، الأدوية الموضعية للأذن والأنف والحلق تُصنَّع وتُسجّل بأحجام ثابتة ولا يمكن تجزئتها، والطبيب يحدد الجرعة ومدة الاستخدام بناء على الحالة السريرية، وليس الهدف استهلاك كامل العبوة، وفي كثير من الحالات تتحسن الأعراض قبل انتهاء العبوة، وهذا أمر متوقع ولا يُعد إسرافاً علاجياً. وأضاف أن الوصفة الطبية تعتمد أساساً على التشخيص والحاجة العلاجية، إلا أن حجم العبوة المتاح في السوق قد يكون أكبر من المطلوب فعلياً، وهو عامل تنظيمي وليس قراراً طبياً، لذلك يُنصح المريض بالالتزام بالمدة المحددة فقط.وأكد أن مخاطر الاحتفاظ بالقطرات أو البخاخات لاستخدامها لاحقاً تتمثل في فقدان التعقيم بعد فتح العبوة، واحتمال نمو بكتيريا أو فطريات داخل الدواء، وعدم ملاءمة الدواء لحالة مرضية جديدة، أما خطورة استعمال قطرات أذن تحتوي على مواد قد تكون سامة للأذن في حال وجود ثقب بالطبلة، وبخاخات الأنف قد تسبب التهاب الأنف الدوائي أو ضمور الغشاء المخاطي عند سوء الاستخدام.وأضاف أن الأطباء حريصون على وصف الأدوية وفق الاحتياجات الفعلية للمريض من دون أي مبالغة. أدوية الأطفال الدكتورة أميمة محيي الدين، استشارية طب الأطفال، قالت: في بعض الحالات، تُصرف عبوات دوائية قياسية لا تتوافق تماماً مع مدة العلاج الفعلية، خاصة في أدوية الشراب والمعلقات، لأن الطبيب يضع في الحسبان احتمال الحاجة إلى استكمال الجرعات بدقة أو تعويض أي جرعة قد تُهدر أثناء التحضير أو القياس، أو لتعويضها في حالة الغثيان والترجيع وليس بهدف الاستخدام لاحقاً دون إشراف طبي. وأضافت أن استخدام الدواء المتبقي من دون استشارة طبية قد يكون خطِراً، لأن الحالة المرضية قد تكون مختلفة، أو يكون الدواء غير مناسب لها، وبعض الأدوية، خاصة المضادات الحيوية، تفقد فاعليتها بعد فترة من التحضير، وقد يؤدي استخدامها الخاطئ إلى مضاعفات صحية أو مقاومة بكتيرية. كما أكدت أن لكل طفل حالته الصحية الخاصة، وقد يعاني حساسية، أو أمراض مصاحبة، أو اختلاف في شدة المرض، وأن استخدام دواء طفل لآخر قد يعرّض الطفل لمضاعفات غير متوقعة. وأشارت إلى اختلاف جرعات الأطفال بشكل يجعل أي استخدام غير منضبط خطراً صحياً.