تحقيق: سلام أبوشهاب، ميره الراشدي، محمد أبو السمن في أدراج المنازل وخزائن المطابخ تتكدّس عبوات أدوية لم يُستكمل استخدامها وأخرى انتهت صلاحيتها، وثالثة احتُفظ بها «للاحتياط». مشهد يبدو عادياً في تفاصيله اليومية، لكنه يخفي خلفه أزمة صحية واقتصادية وبيئية متنامية تُعرف بالهدر الدوائي المنزلي، وهي أزمة صامتة تتسلل إلى البيوت دون وعي وتفرض تحديات مباشرة على سلامة الأفراد واستدامة منظومة الرعاية الصحية. ولا يقتصر الهدر الدوائي على خسارة مالية أو فائض غير مستخدم، بل يمتد ليشمل مخاطر صحية حقيقية، تبدأ من التسمم العرضي وسوء الاستخدام، ولا تنتهي عند تفاقم مقاومة المضادات الحيوية وتلوث البيئة نتيجة التخلص العشوائي من الأدوية، وبين وصفة تُصرف بعبوات أكبر من الحاجة، وسلوكيات استخدام غير منضبطة، وغياب منظومة فعّالة للاسترجاع والتوعية، تتداخل المسؤوليات بين الطبيب والصيدلي والمريض والجهات المنظمة، ما يجعلها قضية مجتمعية شاملة تستدعي البحث عن حلول عاجلة، في ظل اتهامات لأطباء بوصف كميات كبيرة من الأدوية لتحقيق العائد المادي المطلوب أمام المنشأة الصحية التي يعمل بها. تكمن أهمية هذه القضية في أن 30 50% من الأدوية المصروفة لا تستخدم بالكامل وأن الجزء الأكبر من الهدر يحدث داخل المنازل، وفقاً لدراسات عالمية، كما أن الممارسات اليومية في الصيدليات والمؤسسات الصحية تؤكد أن الظاهرة موجودة وبحجم يستوجب تحركاً وطنياً منظماً، في وقت يبلغ فيه حجم سوق الدواء في الإمارات نحو 20 مليار درهم. في لقاء «الخليج» مع عدد من أفراد المجتمع وأطباء وخبراء ومختصين في قطاع الدواء والرعاية الصحية، أكدوا أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد مسألة تتعلق بأدوية غير مستخدمة، بل تحوّلت إلى قضية صحية وبيئية واقتصادية مترابطة، تستدعي مراجعة شاملة لمنظومة وصف وصرف واستخدام الدواء، وتعزيز الوعي المجتمعي، وتطوير التشريعات والبرامج التي تحد من تفاقم الظاهرة. في جولة داخل العديد من المنازل، حيث تعاون بعض السكان فيما رفض آخرون الحديث، أكد البعض وجود كميات كبيرة من مختلف أصناف الأدوية مخزنة في مختلف أرجاء المنزل، تراكمت بعد كل زيارة إلى طبيب، ولا يتم تناول واستخدام جميع الأصناف التي تم وصفها، والنتيجة أصناف بعضها أصبح منتهي الصلاحية. البداية كانت في أحد المنازل عدد أفراده 4 أشخاص من الزوج والزوجة وبنتان، ولا يعاني أي منهم من أمراض مزمنة، وعندما طلبنا من ربة البيت رولا محمد ناصر بتجميع جميع أصناف الأدوية الموجودة، كانت المفاجئة أن ما تم تجميعه كمية كبيرة تشمل مختلف الأصناف بعضها ينتهي مفعوله بعد أكثر من سنه، وأكثر من نصف الكمية منتهي مفعولها. وقالت إنه في كل زيارة لطبيب، سواء هي أو زوجها أو إحدى البنتين، يعودون للمنزل بمختلف أصناف الأدوية، حيث يتم استخدام جزء منها لعدة أيام وبعد الشفاء يتبقى كميات كبيرة، متسائلة عن سبب وصف الأطباء هذا الكم الكبير من الأدوية، مشيرة إلى أنه في إحدى المرات ابنتها عانت ألماً في الحلق وارتفاعاً في درجة الحرارة وعندما راجعت الطبيب وصف لها 9 أصناف أدوية، استخدمت ثلاثة منها وبعد 5 أيام توقفت تماماً. وحول كيفية التخلص من الأدوية، قالت إنها تضعها الأصناف منتهية المفعول في كيس القمامة، ولا تعرف كيف تتصرف بالأصناف التي ما زالت صالحة. تنظيم شامل قال طارق الحمادي، إن منزله يشهد تراكماً كبيراً للأدوية، وأن جزءاً كبيراً منها لا يكون بحاجة إليه، ويقوم سنوياً بعملية تنظيم شاملة، حيث يحتفظ فقط بالأدوية الأساسية التي يحتاج إليها، بعد التأكد من صلاحيتها. وأضاف: «أقوم بجمع الأدوية غير المستخدمة في كيس مخصص، ثم تسليمها للصيدليات للتخلص منها وفق الإجراءات المتبعة، تجنباً لتركها في المنزل أو التخلص منها بطرق خاطئة». من جانبه، قال فيصل العوضي: «لا أعرف الطريقة الصحيحة للتخلص من الأدوية، وأحياناً ألقي دواء أو اثنين في القمامة، واحتفظ ببعضها حيث أشعر أنني قد أحتاج إليها مستقبلاً». فيما قال مصطفى علي: «عادة أقوم برمي الأدوية المنتهية الصلاحية في القمامة، وأحتفظ ببعض الأقراص المسكنة في درج مكتبي لاستخدامها لاحقاً عند الحاجة، وأفعل ذلك لتجنب الهدر ولأنني أشعر أن بعض الأدوية قد تكون لازمة في حالات الطوارئ أو عند الشعور بصداع مفاجئ». أما شما محمد أوضحت: «أعاني التهاباً في العين، وأحرص كثيراً على التعامل مع أدويتي بشكل صحيح وفحص التاريخ باستمرار». سلة المهملات أوضحت منى الشامسي، أن عند إصابتها بنزلة برد تحصل على الأدوية الموصوفة من الصيدلية وتلتزم باستخدامها خلال فترة المرض، إلا أنها بعد تعافيها لا تعرف الطريقة الصحيحة للتخلص منها، فتقوم عادة برميها في سلة المهملات. وأضافت: «في المنزل توجد كميات كبيرة من الأدوية، واحتفظ أحياناً ببعض المسكنات أو شراب الكحة أو الصداع لاستخدامها لاحقاً في حال شعرت بأعراض مشابهة، واحتفظ بهذه الأدوية في خزانة صغيرة لتكون في متناول يدي عند الحاجة، من دون التأكد أحياناً من صلاحيتها». بينما أكدت منيرة الزعابي، مريضة سكر، أنه يوجد في الثلاجة درج خاص لأدوية السكر، إضافة إلى كميات كبيرة من الأدوية محفوظة في درج بخزانة الملابس، وأنها حريصة على سلامة أدويتها واتباع طرق التخزين الصحيحة، مع الاحتفاظ بالأدوية الصالحة للاستعمال للاحتياجات المستقبلية. أضرار محتملة قالت سارة عبدالرحمن، مريضة إكزيما، إنه يوجد في منزلها عشرات الأصناف من الأدوية تم وصفها من الأطباء ولا تتعرف كيف تتخلص منها، وإنها تتبع تعليمات الطبيب بدقة فيما يخص استخدام المراهم الخاصة بالجلد، وتحرص على عدم تعريض المراهم للشمس أو الحرارة. وأضافت: تعرضت لموقف سابق عند استخدام مرهم منتهي الصلاحية، حيث أدى إلى زيادة الالتهاب وظهور أعراض جانبية مثل تشقّق أطراف الفم، ومنذ ذلك الحين أصبحت أتحقق دائماً من تاريخ انتهاء الصلاحية، والمنتهي مفعوله أقوم بالتخلص منه مباشرة في سلة النفايات. أما عمر أسامة قال إنه يحاول قدر الإمكان أن يحافظ على الأدوية بعيداً عن متناول أطفاله لضمان سلامتهم، وبعد انتهاء مرحلة المرض يقوم بالتخلص من الأدوية المنتهية الصلاحية ورميها في القمامة. وتابع: «أحرص على فصل الأدوية عن باقي النفايات ووضعها في أكياس مغلقة لتقليل المخاطر، لكنني أقر أن الطريقة ليست مثالية، وأرغب في معرفة الطرق الأكثر أمانًا بما يحمي الأطفال والبيئة في نفس الوقت». تخلص أمن التقت «الخليج» مع عدد من الصيادلة الذين تحدثوا عن آلية التعامل مع الأدوية منتهية الصلاحية، حيث قالت الصيدلانية مروة قانوع: «إن الصيدلية تلتزم بشكل كامل باللوائح والإجراءات الصادرة عن دائرة الصحة فيما يتعلق بالتعامل مع الأدوية منتهية الصلاحية، حيث يتم دائمًا فصلها عن باقي الأدوية، ووضعها في منطقة مخصصة لضمان عدم استخدامها بطريق الخطأ، بعد ذلك، نقوم بنقلها إلى المخزن المخصص، وجمعها بانتظام وفقاً لإجراءات وإرشادات دائرة الصحة، وتُعالج هناك ضمن النظام المعتمد للتخلص الآمن والصحيح منها، بما يضمن المحافظة على سلامة البيئة والمرضى». وأضافت: «بعض العلامات قد تظهر على الدواء عند اقتراب انتهاء صلاحيته، مثل انخفاض فعاليته أو تغير لونه أو قوامه، مما يستدعي الانتباه عند تقييم الدواء والتأكد من صلاحيته للاستخدام، ويجب على المرضى عدم تناول أي دواء منتهي الصلاحية، إذ قد يؤدي ذلك إلى أعراض جانبية مثل الدوخة والغثيان واضطرابات الجهاز الهضمي، وعدم التخلص من الأدوية منتهية الصلاحية برميها في القمامة، لأن هذا السلوك خاطئ، إذ قد تتناولها الحيوانات أو تشربها عن طريق الخطأ». أقل فاعلية أوضحت الصيدلانية ليندا الجرماني، أن الجمهور بشكل عام ليس لديه الوعي الكافي بكيفية التعامل مع الأدوية المنتهية الصلاحية، إلا أن مستوى الوعي قد زاد في السنوات الأخيرة، مؤكدة أن الصيادلة بشكل عام يوعون الجمهور على قدر المستطاع. وقالت: «على المريض شراء الأدوية أو المكملات الغذائية التي يحتاجها فقط، وفحصها دائمًا لمعرفة ما إذا كانت منتهية الصلاحية أم لا، والأدوية المنتهية الصلاحية قد تكون أقل فاعلية، وهناك أنواع أكثر حساسية عند انتهاء صلاحيتها، مثل الأنسولين، قطرات العيون، والمضادات الحيوية، وتختلف الأعراض حسب استقرار وحساسية الدواء». وأكدت: «يجب التخلص من الأدوية المنتهية الصلاحية بطرق آمنة، وعدم رمي الدواء بطريقة عشوائية، ويمكن وضع الدواء المنتهي في أكياس متعددة، ويجب أن تكون هذه الأكياس من النوع الصديق للبيئة، لأن البلاستيك مضر جدًا ويسبب أضرارًا بيئية، وفي حال كان الدواء المنتهي سائلاً يمكن إضافة التراب أو القهوة لتقليل المواد الكيميائية التي بداخله، أما الإبر والحقن، فيجب لفّها بأكثر من كيس لحماية عمّال النظافة، لأنه إذا تم التخلص منها في سلة المهملات دون تغليف مناسب فقد يتأذى عمال النظافة اثناء التعامل معها، ومن الممكن أن يتعرض لإصابة في قدمه». مشكلة مركبة قال الدكتور سعيد عبدالله، خبير الأدوية والمستشار الطبي، إن هدر الأدوية مشكلة مركبة تبدأ من طريقة تصنيع العبوات ولا تنتهي عند سلوك المريض، مؤكداً أن الاستخدام غير الرشيد للأوية يشكل عبئا صحيا واقتصاديا على الأفراد وشركات التأمين والمنظومة الصحية ككل. وأوضح أن كثيرًا من الأدوية، خاصة المخصصة للأمراض الموسمية، تُصرف في عبوات تحتوي على كميات تفوق مدة العلاج الفعلية، على الرغم من أن هذه الحالات غالبا ما تستمر من ثلاثة إلى خمسة أيام فقط، مشيراً إلى أن جزءاً من هذا الهدر يرتبط بطبيعة العبوات التي تطرحها بعض الشركات لأسباب تجارية. وبيّن أن هناك فرقاً جوهرياً بين العدوى الفيروسية والبكتيرية، لافتا إلى أن نزلات البرد تُعد عدوى فيروسية تزول تلقائياً ويُكتفى فيها بالعلاج العرضي عند اللزوم، في حين أن العدوى البكتيرية تتطلب استكمال جرعة المضاد الحيوي كاملة. وأشار إلى أن بعض الدول تعتمد آليات تقلل الهدر، مثل بيع الدواء على شكل شرائط منفصلة أو عبوات صغيرة مخصصة للاستخدام الواحد، وأكد أن الأدوية تُصنف إلى أدوية تُصرف بوصفة طبية فقط، وأخرى تُصرف من خلال الصيدلي، وأدوية متاحة للبيع المباشر، وأن سوء فهم هذا التصنيف يدفع بعض المرضى إلى تخزين الأدوية أو مشاركتها مع الآخرين. تحقيق الربح قال د. سعيد عبدالله، إن تحقيق الربح في قطاع الدواء أمر مشروع، لكنه يجب أن يكون عقلانياً ومنضبطاً، بحيث لا يؤدي إلى الإضرار بالمريض أو رفع كلفة العلاج من دون مبرر. وشدد على أن تقليل الهدر الدوائي مسؤولية مشتركة تشمل الطبيب في التشخيص وتحديد الجرعة والمدة، والصيدلي في الالتزام بالصرف والإرشاد الدوائي، وشركات التأمين في تنظيم التغطية، والجهات الصحية في الرقابة، إلى جانب دور المجتمع في الاستخدام الواعي للدواء. ونبّه إلى أن بعض المرضى يسيئون استخدام التأمين الصحي باعتباره غطاء مفتوحاً للحصول على أدوية غير ضرورية ويساعد في ذلك أطباء يصفون كميات كبيرة من الأدوية، محذراً من أن هذا السلوك قد يؤدي مستقبلاً إلى تقليص التغطية أو تحميل المرضى الملتزمين أعباء إضافية. كما حذّر من التعامل مع الدواء على أنه مكمل غذائي آمن، مؤكدا أن الفيتامينات والهرمونات قد تسبب أضراراً جسيمة إذا استُخدمت من دون إشراف طبي. زيادة البيع قال الخبير الدكتور عامر محمود أبو شيخة، أخصائي تغذية علاجية ومدير شركة أدوية، إن الوصفة الطبية تُعد الأساس في تحديد جرعة الدواء ومدة العلاج، موضحًا أن الأصل هو أن تكون الوصفة محددة من قبل الطبيب من حيث الجرعة والوقت، إلا أن صرف عبوات كاملة من الأدوية على الرغم من قِصر مدة العلاج قد يحدث أحياناً بدافع زيادة البيع. وأشار إلى أنه في حال كان المريض مشمولاً بالتأمين الصحي، يلتزم الصيدلي بصرف الكمية المحددة وفق الجرعة والمدة، سواء في القطاع الخاص أو الحكومي، وأن أحجام العبوات الدوائية المتوفرة في السوق لا تتحكم بالاستهلاك الفعلي، مبيناً أن الشركات المصنعة توفر عدة أحجام تتناسب مع طبيعة المرض ومدة علاجه. وأضاف أن تعدد الأحجام قد يكون مفيداً من حيث الكلفة، خصوصاً أن العبوات الأكبر قد تكون أوفر سعراً، وحذّر من الاحتفاظ بالأدوية المتبقية وإعادة استخدامها دون استشارة طبية، موضحًا أن ذلك يختلف بحسب نوع المرض، وأن الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة لا يجوز استخدامها مجددًا دون مراجعة الطبيب. خطر صحي بيّن أبوشيخة، أن مشاركة الأدوية بين الأشخاص حتى في حال تشابه الأعراض تشكل خطراً صحياً، وأن تشابه الأعراض لا يعني تشابه المرض، حيث إن سوء استخدام الأدوية المتبقية، خصوصاً المضادات الحيوية، قد يسهم في مقاومة العلاج وحدوث مضاعفات مستقبلية. وأوضح الدور المحوري الذي يلعبه الصيدلي في المنظومة العلاجية، متمثلاً في صرف الدواء بالكمية المطلوبة، وشرح طريقة الاستخدام، والتنبيه إلى المضاعفات المتوقعة، وأشار إلى وجود آليات رقابية واضحة تحد من صرف الأدوية بكميات تفوق الحاجة. ورأى أن الطبيب يشكل المحرك الرئيسي لتحقيق التوازن بين ضمان توفر الدواء ومنع الهدر، من خلال التشخيص الدقيق ووصف العلاج بالجرعة والمدة المناسبتين، مشدداً على أهمية التوعية المستمرة للمجتمع بشأن التخلص الآمن من الأدوية غير المستخدمة، لما لذلك من أثر مباشر على الصحة العامة، وأن زيادة الوعي الدوائي تسهم بشكل كبير في تقليل هدر الأدوية. وأكد على ضرورة عدم المبالغة في وصف كميات الأدوية من قبل الأطباء، وأن المريض يجب أن يكون هو محور الاهتمام بين الطبيب والصيدلي وشركات الأدوية المصنعة والمسوقة وشركات التامين، حيث أن هذه المنظومة تعمل تحت مظلة التشريعات الحكومية والهيئات الطبية والصحية، ويجب أن توظف كل إمكاناتها لمساعدة المرضى على الشفاء.