منوعات / صحيفة الخليج

«إن غاب القط».. كوميديا غنية بالتشويق والمواقف المبهجة

الخيارات كثيرة، ويبدو أن انتعاشة الصناعة السينمائية انعكست إيجاباً على عشاق الفن السابع الباحثين دائماً عن النوع لا الكم، والذين يهتمون بما تقوله السينما، والقضايا التي تناقشها أياً كان اللون الذي ترتديه سواء كوميدياً أم تراجيدياً أم أكشن وجريمة. ممتع أن تقف في صالة السينما وأمامك خيارات كثيرة تشعرك بالحيرة وبالرغبة في مشاهدة كل الأفلام المعروضة، خصوصاً أن الأفلام لم تعد تقتصر على أسماء نجوم معينة؛ بل تتنوع بين المخضرمين والوجوه الجديدة والشباب المحبوبين. من الخيارات التي ننصح بها «إن غاب القط»، المعروض حالياً والذي يقدم كوميديا لا استخفاف فيها ولا تفاهة في المضمون ولا استظراف من الأبطال، كوميديا وقصة وتمثيل وسرعة إيقاع وصورة وإخراج، تشكيلة جعلت من الفيلم مساحة فنية راقية.
تلون وتنوع لافت لآسر ياسين.. وعلي صبحي خفيف الظل
ينقسم الجمهور إلى قسمين حين يكون الخيار المتاح أمامه من نوع الكوميديا، فهناك من يُقبل على المشاهدة بلا وبلا تدقيق في الأسماء والوجوه، لأنه يعشق الكوميديا حتى ولو كانت تافهة ومجرد إفيهات مفتعلة لإثارة الضحك، وفئة تتريث وتدقق وتنتقي بعناية خوفاً من الوقوع في فخ السذاجة والملل واستغباء الجمهور والضحك عليه كما يفعل صناع الأفلام التي لا تعيش سوى لأيام في الصالات وتسقطها السينما من أرشيفها سريعاً؛ لذلك يعد وجود آسر ياسين في فيلم كوميدي مشجعاً، لأنه ليس بطلاً كوميدياً في الأصل، كما يدفعنا وجود سماح أنور وعودتها للتمثيل بهذا النضج والأداء الفائق التميز الذي شاهدناه خلال العامين الأخيرين في الدراما التلفزيونية، وعودتها للسينما إلى المزيد من التفاؤل بأن يكون «إن غاب القط» كوميديا حقيقية غنية بالمواقف المبهجة والقصة المنطقية، لاسيما أنه من تأليف أيمن وتار الذي سبق أن كتب «نادي الرجال السري»، و«فضل ونعمة»، و«أبو نسب»، ومن إخراج سارة نوح في ثاني تجاربها السينمائية بعد «أعز الولد».

سرقة ورومانسية


من ناحية نوعية القصة فهي ليست جديدة، أفلام السرقة والمطاردات كثيرة، لكن التوليفة غنية بالتشويق، الأحداث متلاحقة وسريعة لا تخلو من التنقلات والمفاجآت وتوالي دخول شخصيات على الخط حتى المشهد الأخير من الفيلم. السرقة هنا لا ترتبط بجريمة، لكنها تمشي إلى جانب الرومانسية، وقصة الحب والنظرة التقليدية الاجتماعية السائدة حول مفهوم الرجولة والأنوثة، وما يحق للرجل في تعدد علاقاته وحريته اللامشروطة قبل الزواج، وحين يفكر في الارتباط يختار فتاة بريئة ساذجة بلا أي خبرة شديدة الخجل وعديمة الرغبات والمطالب. هذا ما يجسده أيمن وتار من خلال بطليه زين وتوأمه زينهم (آسر ياسين)، زين طبيب بيطري محترم خجول، علاقته بخطيبته هند (أسماء جلال) قائمة على الاحترام الشديد والكلام الجاد بلا أي فرصة للمزاح أو الضحك أو حتى كلام الحب والغزل والمفاجآت السارة التي تتمنى هند أن تراها من خطيبها للتعبير عن المشاعر. بينما توأمه زينهم الملقب بـ «القط» سارق محترف للوحات فنية، مطلوب القبض عليه، ولديه الكثير من العلاقات ويظهر ويختفي ولا أحد يعرف مكان إقامته.
تتم سرقة لوحة الخشخاش الشهيرة للرسام العالمي فان جوخ، والسارق يترك كعادته بصمة كتوقيع إما بآثار مرور قط من هنا، وإما بترك قناع حديدي على شكل قط. قبلها نرى هند تعمل في ترميم اللوحات الفنية، تتحدث مع زميلتها بسمة (رحاب الجمل) عن مشكلتها مع خطيبها زين، فهو محترم وخجول زيادة عن اللزوم، بينما تتمنى أن يفاجئها وأن يعبر لها عن مشاعره ويمنحها فرصة التعبير عن مشاعرها هي أيضاً، لكن ما يحصل يقلب الأمور رأساً على عقب، حيث يأتي القط على غفلة ويستدرج هند ثم يقوم بسرقة لوحة الخشخاش التي تعمل على ترميمها، وبينما تنشغل وسائل الإعلام وشركة التأمين متمثلة في شهاب (محمد شاهين) بمعرفة مكان اللوحة وكيفية استعادتها، تعيش هند في حالة رومانسية تجعلها تعيد التفكير بعلاقتها بزين وتتمنى أن يتعلم «الشقاوة» من توأمه زينهم الذي لم تكن سابقاً على علم بوجوده.

أسلوب مباشر


يجيد أيمن وتار كتابة القصة بتشويق، يشمل كل تفاصيل الروايات البوليسية والسرقة، من تخطيط وتنفيذ ومؤامرات وخيانة وعلاقات ومطاردات وصولاً إلى انكشاف الحقائق، والأهم أنه لا يكرر ولا يمط في الأحداث؛ بل ينتقل من محطة إلى أخرى مع استمرار إدخال عناصر جديدة، وكل شخصية تضع بصمة مختلفة، وكل محطة تضيف إلى الأحداث السريعة الإيقاع المزيد من التعقيد والمزيد من التشويق ودفع الجمهور إلى المتابعة بدقة والتحليل لربط الأحداث والشخصيات.


بارعة المخرجة سارة نوح في تقديم فيلم سلس وممتع، الصورة نقية وأماكن التصوير رائعة، كما برعت في تقديم التشويق بمستوى جيد وبإيقاع تتوالى فيه الأحداث بشكل تصاعدي، تستخدم الأسلوب المباشر بلا قفزات كثيرة وغير مبررة بين الماضي والحاضر، وتمنح كل شخصية في الفيلم مساحتها الكافية للظهور والأداء والتميز، حتى الشخصيات التي تطل وتختفي ثم تعود مثل حربي (علي صبحي) الشديد التأثر بالقط، والراغب في العمل معه في مهمات صعبة، وسعد (حمزة دياب) ذراع زين وزينهم اليمنى. المتعة في «إن غاب القط» أنه يقدم لك الأحداث باعتبارها واضحة وحقائق عليك تتبعها لمعرفة التطورات، ثم تكتشف أنها تطوي ألغازاً وخدعاً تبدأ في التكشف تباعاً.

المحرك الخفي


كل الشخصيات مميزة، وزيرة التي تجسدها بكثير من التميز سماح أنور، تبدو رأس الأفعى والمحرك الخفي لعصابات السرقة والداعم الأهم للقط، إلى أن نكتشف حقائق أخرى، ونكتشف الرأس المدبر لكثير من تلك السرقات. علي صبحي ممثل كوميدي خفيف الظل يستحق الكثير من الفرص، الشاب حمزة دياب الذي كتب شهادة ميلاده الفنية في «كامل العدد» يستحق هو أيضاً المزيد من الظهور في أعمال درامية متنوعة وكوميدية جيدة؛ كارمن بصيبص مختلفة عمّا سبق أن قدمته بشخصية السارقة المحترفة ميادة، محمد شاهين ناجح في الكوميديا بمثل نجاحه في التراجيديا، انتصار، وسامي مغاوري، ورحاب الجمل، وأمينة خليل، وطه دسوقي، وهشام ماجد، ضيوف شرف يضيفون للعمل ولا يمرون مرور الكرام، شخصياتهم تمنح الفيلم إضافة جميلة ولمسة كوميدية لا حشو زائد لمجرد الاتكاء إلى أسمائهم وجماهيريتهم كمكسب للعمل. آسر ياسين نجم يحافظ على مكانته ويثبت براعته في تقديم بطولة وتحمل مسؤولية فيلم كوميدي، خصوصاً أنه قدم شخصيتي زين وزينهم بتلوّن وتنوع لافت، وأجاد في الشخصيتين وبتقديم الكوميديا الراقية التي لا تعتمد على المبالغة ولا على التفاهة؛ أما أسماء جلال فما زالت «بنبونة» تجيد تقديم المطلوب منها بحلاوة طعم السكر، من دون بصمة فنية مميزة، مثلها مثل حسناوات السينما اللواتي يتم الاعتماد عليهن لتقديم صورة البطلة الحسناء الساذجة البريئة.


من أهم ما يطرحه الفيلم، ليست قضية السرقة وذكاء التخطيط؛ بل ازدواجية الرجل الشرقي عموماً وقضية الرجل «التوكسيك» كما يقول زين عن نفسه، صاحب الشخصية «الشقية» والجادة في آن، والموجودة بكثرة في المجتمعات العربية، الرجل الذي يريد من الفتاة التي يطلبها للزواج أن تكون شديدة البراءة، ويخاف منها إن وجد لديها ميلاً لسماع كلمات الغزل وتتمنى أن تبادل خطيبها اللحظات الحلوة وكلام الحب والهدايا التي يعبر فيها عن مشاعره نحوها، بينما يعيش حياته الخاصة «بالطول والعرض» طالما أنه عازب وهذا حق له لا يُحاسب عليه، و«شقاوته» مرتبطة بالرجولة بطبيعة الحال.
[email protected]

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا