عرب وعالم / السعودية / عكاظ

قلب حاضر وجسد غائب..!

كتبت غادة السمان إلى غسان كنفاني

أعلم أنك تفتقدني،

لكنّك لا تبحث عني،

وأنك تحبّني ولا تُخبرني،

وستظلّ كما أنت

صمتك يقتلني.

جاء ردّ غسان

لكنني متأكد من شيء واحد على الأقل،

هو قيمتك عندي.

كلّ ما بداخلي يندفع لكِ بشراهة،

لكن مظهري ثابت

فكتبت له غادة

لا يعنيني شعورك العظيم الذي تكنّه لي

إن كنتَ تتصرّف على عكسه تماماً.

قراءة سطور غادة وغسان تشبه الوقوف أمام مرآة صادقة لا تُجامل القلب، ولا تترك له فرصة الاختباء خلف الأعذار.

كلماتها ليست عتاباً عابراً، بل محاكمة أخلاقية لفكرة الحب الصامت، ذاك الذي يكتفي بالاشتعال الداخلي ويعجز عن أن يتحول إلى فعل، أو موقف، أو حتى إشارة تطمئن روحاً تنتظر.

غادة لا تشكّك في المشاعر، ولا تنكر عمقها، لكنها تضعها في ميزانٍ صارم، ميزان السلوك. الحب في تصورها، لا يُقاس بما يعتمل في الصدر، بل بما يصل إلى الطرف الآخر.

فما جدوى شعورٍ عظيم إن ظل حبيساً؟

وما قيمة حبّ لا يجرؤ على أن يُعلن نفسه، أو على الأقل يترجم ذاته إلى حضور، أو ، أو سؤال؟

اعترافها القاسي (صمتك يقتلني) ليس مبالغة عاطفية، بل توصيف دقيق للألم الذي يخلّفه الغياب المتعمّد.

الصمت، في العلاقات، ليس حياداً،

بل موقف من أقسى المواقف؛ لأنه يترك الطرف الآخر وحيداً مع تأويلاته،

وشكوكه، وأسئلته التي لا تجد جواباً.

الصمت هنا لا يعني العمق، بل العجز عن المواجهة، أو الخوف من دفع ثمن المشاعر.

غسان كنفاني، من جانبه، يكشف مأزقاً آخر مأزق الإنسان الذي يشعر بفيض داخلي، لكنه عاجز عن تحويله إلى حركة.

اعترافه بقيمتها، وباندفاع كل ما بداخله نحوها، يقابله ثبات المظهر.

ذلك الثبات ليس قوة، بل قيد.

كأن الداخل يركض، بينما الجسد مشدود إلى أرض التردد، وقيود الواقع، أو إلى خوفٍ من انكشاف الذات.

هنا تتجلى المفارقة المؤلمة.

شعور صادق، وسلوك مناقض. وهذه المسافة بين الداخل والخارج هي أكثر ما يُنهك العلاقات.

الإنسان لا يعيش داخل الآخر، ولا يسمع دقّات قلبه، ولا يرى نواياه.

الإنسان لا يملك سوى ما يُقدَّم له.

لذلك تصرّ غادة، بوضوح لا يعنيني شعورك العظيم إن كنت تتصرّف على عكسه تماماً. إنها لا تطلب المستحيل، بل تطلب الانسجام، تطلب أن يتصالح القلب مع الفعل.

في هذه الرسائل يتقاطع الحب مع الكرامة. غادة لا تساوم على الثانية باسم الأول.

هي تدرك أن قبول حبّ لا يُعبَّر عنه يعني قبول دور الضحية، انتظاراً بلا نهاية، وتعلّقاً لا يُكافأ. لذلك تأتي كلماتها حاسمة، ناضجة، خالية من التوسّل. إنها لا تقول أحبني أكثر، بل تقول كُن صادقاً مع ما تشعر به، أو اتركني بسلام.

حوار يختصر مأساة علاقات كثيرة.

أشخاص يحبّون بصدق، لكنهم يخشون الخطوة، يخافون الخسارة، أو يختبئون خلف الصمت بدعوى العمق.

في المقابل، قلوب أخرى لا تطلب إلا إشارة، تؤكد أن المشاعر ليست وهماً.

الحب، كما تراه غادة السمان، مسؤولية قبل أن يكون حالة وجدانية. هو شجاعة التعبير، وجرأة الانحياز، وصدق الظهور.

أما الحب الذي يكتفي بالاختباء داخل صاحبه، فيظل ناقصاً، مهما كان عظيماً، لأنه لا يحقّق الطمأنينة.

لا تنتصر هذه الرسائل لعاشقٍ على حساب آخر، بل تنتصر لفكرة واضحة

المشاعر التي لا تُعاش، ولا تُرى، ولا تُلمَس، تتحوّل إلى عبء.

والحب الحقيقي لا يقتل بالصمت، ولا يجرح بالتناقض، بل يضيء الطريق، ويمنح القلب سبباً كافياً ليبقى.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا