منوعات / صحيفة الخليج

أشجار .. دواء وغذاء وحياة

الشارقة: سارة المزروعي
في أرضٍ اختبرت حرارة الشمس وقسوة الجفاف، لم تكن الأشجار في مجرد غطاء نباتي، بل كانت دائماً مصدراً للحياة والعلاج والغذاء، من الشريش الذي يُنقّي الجو ويعالج البشرة، إلى الشوع الذي يقاوم التصحر ويمنح الطهي نكهة فريدة، وصولًا إلى المورينجا، الشجرة الخارقة التي تختزن في أوراقها وزيتها فوائد لا تُعد ولا تُحصى. أدرك الإماراتيون قديماً أهمية هذه الأشجار، فاعتمدوا عليها في الطب الشعبي، وفي بناء البيوت، وتظليل المجالس، وحتى في حفظ التوازن البيئي في بيئة قاحلة. واليوم، مع تصاعد الاهتمام بالاستدامة الزراعية وحماية التنوع الطبيعي، تعود هذه الأشجار إلى الواجهة بوصفها عناصر أساسية في مشاريع التشجير، ومنصّات الجمال الطبيعي، ومختبرات الغذاء النقي.

في ربوع الإمارات، لا تكتمل صورة الطبيعة دون شجرة السدر، هذه الشجرة الأصيلة التي تُجسد جزءًا من التراث والهوية، تُثمر ظلًا وطعامًا وعسلًا، وتجسّد علاقة متجذّرة بين الإنسان والطبيعة، لا تزال تنبض في وجدان المجتمع حتى اليوم.
تنمو السدر في البيئات الجافة، وتتحمّل حرارة الصحراء وملوحة التربة بمرونة عالية، ما جعلها خياراً مثالياً للتشجير واستصلاح الأراضي. أوراقها دائمة الخضرة، وتفيض بظلالٍ كثيفة تُسهم في تلطيف الأجواء وخفض وتعزيز التنوع البيولوجي، حيث إنها نظام بيئي متكامل يمنح السكينة ويُقاوم القسوة.


وفي موسم الخريف، تنتظر العائلات الإماراتية ظهور «النبج»، الاسم المحلي لثمار السدر في بداية نضجها، بلونه الأخضر المصفر أو المائل للحمرة، بطعمه الذي يجمع بين الحلاوة والقرمشة، فالنبج لا يُقطف فقط، بل يُتبادل بين الجيران، ويُهدى كرمز للكرم والوصال، ويُعد من الفواكه الموسمية في الإمارات.
تقول موزة السويدي: «لا يخلو بيتي من النبج... أمام البيت وفي حوي البيت، منها ظل ومنها أكل».
أما زهر السدر، فينتج أحد أغلى وأجود أنواع العسل في العالم، وهو عسل السدر، المعروف بخصائصه العلاجية العالية، لا يُستخدم فقط كمصدر غذائي فاخر، بل يدخل في الطب الشعبي لتقوية المناعة، وتسريع شفاء الجروح، وعلاج اضطرابات الهضم.
وتحمل أوراق السدر فوائد طبية وجمالية، إذ تُجفف وتُطحن لتحضير مستحضرات طبيعية للعناية بالبشرة والشعر، وقد عُرفت تقليدياً بقدرتها على تنقية الجلد وتغذية فروة الرأس، كما يُستخدم منقوعها لتهدئة الالتهابات الجلدية. وتروي موزة السويدي ما كانت تقوله جدّتها: «كانت جدتي تقول لي دوماً: من يغسل شعره وجسمه بورق السدر، يحصّن عمره من الحسد، ويرَيّح قلبه ونفسه... وكانوا سابقاً لا يستغنون عنه، واليوم صرنا نحن نستخدمه بعد وضعه في الشامبو أو نغليه ونجعل منه (ماسك)، لأن فوائده لم تتغيّر، حتى لو تغيّر الزمن».
ولشجرة السدر قيمة إضافية من خلال حطبها المتين، حيث يُعد من الأنواع المفضّلة في الإمارات لأغراض التدفئة والطبخ الشعبي، يمتاز بجودة احتراقه ورائحته الطيبة، ويُستخدم في مواقد المأكولات التراثية مثل «المدفون» و«التنور»، لاسيما في فصل الشتاء، لما يمنحه من دفء وأجواء تعبق بأصالة الماضي.

الشريش... طبيب الطبيعة


من الهند إلى الإمارات، وجدت شجرة النيم، المعروفة محليًا باسم الشريش، مكانًا لها في الخليجية، لما تتمتع به من خصائص فريدة جعلتها تُلقّب ب«طبيب الطبيعة».
تُعرف الشريش بقدرتها الكبيرة على التكيف مع المناخ الحار والتربة القاحلة، ما جعلها من أعمدة مشاريع التشجير ومصدات الرياح في البيئات الصحراوية.


تُستخدم أوراقها الكثيفة لتوفير الظل وتلطيف الجو، بينما تعمل أوراقها المتساقطة كسماد طبيعي يُغني التربة ويُحسّن جودتها الزراعية، كما تسهم في القضاء على الكائنات الضارة، ما يمنحها دوراً مزدوجاً في دعم البيئة والزراعة.
أما أخشاب الشريش، فتتميز بالمتانة ومقاومة الآفات، لا سيما حشرة النمل الأبيض، وهذا يجعلها مثالية لأعمال البناء في المناطق الرطبة، كما تدخل في صناعة الأثاث والأبواب التقليدية.
وعلى الجانب الصحي، يُستخرج من بذورها زيت النيم، المستخدم في علاج مشكلات جلدية مثل الإكزيما وحب الشباب، كما يدخل في تصنيع الصابون الطبيعي والمبيدات العضوية ومنظفات الأسنان. نبات يخدم البيئة قبل أن يخدم الإنسان.

الشوع... العطر والمذاق


في مناطق الجبال والوديان في الإمارات، تنمو شجرة الشوع بصبرٍ لا يقل عن خصوبتها، فهذه الشجرة المحلية عُرفت بقدرتها العالية على مقاومة الجفاف، وبدورها في دعم النظام البيئي المحلي.
تحمل أوراقها وأغصانها استخدامات عملية، لكن قيمتها الأهم تتجلّى في دورها بالمطبخ الشعبي، حيث يُستخدم حطب الشوع في إعداد أطباق تراثية، أبرزها لحم التنور، ويُفضّل الأهالي هذا الحطب تحديداً لرائحته العطرية واحتراقه المتوازن، الذي يمنح الطعام نكهة أصيلة.


يقول محمد المنصوري، من سكّان المناطق الجبلية الشرقية: «شجرة الشوع من النباتات المهمة عندنا، وأستخدمُها بشكل دائم في لحم التنور، لأنها تضيف نكهة ليس لها بديل، رائحتها عطرية وطعمها يعطي اللحم طابعاً مميزاً لا نحصل عليه إلا مع هذا الحطب».
ولا يقتصر استخدامها على الطهي فحسب، بل يُستخرج من بذورها زيت نادر يُستخدم في الطب الشعبي لعلاج المفاصل وترطيب البشرة، كما كانت النساء قديماً يُدخلنه ضمن مستحضرات الزينة. شجرة تفوح بالتراث، وتغذّي الحواس كما الأرض.

المورينجا... الشجرة المعجزة


من جذور موطنها الأصلي في شبه القارة الهندية، شقّت شجرة المورينجا طريقها إلى بيئات الخليج لتصبح واحدة من النباتات الواعدة في الزراعة المحلية، لما تحمله من خصائص غذائية وطبية نادرة. هذه الشجرة، المعروفة عالميًا ب«الشجرة المعجزة»، تنمو بسرعة وتزهر في الصيف، بينما تُقطف أوراقها على مدار العام.
تمتاز أوراق المورينجا بتركيبة غذائية مذهلة، إذ تحتوي على البروتين، والكالسيوم، وفيتامين C، ما يجعلها خياراً مثالياً للأنظمة النباتية والصحية، وتُستخدم في إعداد مكملات غذائية طبيعية، وأطعمة علاجية تعزز المناعة وتُعيد التوازن للجسم.
أما زيت بذورها، فيحتل مكانة متقدمة في عالم التجميل، نظراً لغناه بأحماض أوميجا الدهنية ومضادات الأكسدة، التي تُرطّب البشرة وتهدّئ التهيّجات وتقوّي الحاجز الواقي للجلد، كما يُعرف الزيت بقدرته على مقاومة التلوث والعوامل البيئية، ما يجعله مكوّناً نقياً ومستقراً في المستحضرات الطبية.
ولأن مضادات الأكسدة في زيت المورينجا تعمل كمواد حافظة طبيعية، فإن الزيت يتميز بثباته وطول مدة صلاحيته، دون الحاجة إلى إضافات صناعية. شجرة تُلهم المستقبل بخير الطبيعة.
وهكذا، من السدر التي تروي الحكايات، إلى الشريش التي تداوي التربة، والشوع التي تُعبّر عن نكهة المكان، وصولاً إلى المورينجا التي تُجسّد الوعد بالغذاء النقي، تظل هذه الأشجار شاهداً حيّاً على العلاقة العميقة بين الإنسان وبيئته في الإمارات.
وفي ظل التوجه الوطني نحو الزراعة المستدامة والحفاظ على الموارد الطبيعية، تعود هذه الأشجار لتأخذ دورها في مستقبل أكثر توازناً، حيث لا تكون مجرد نباتات، بل رموزاً للاستمرارية، والهوية، والتجدد.
فالأرض التي أنبتتها تعرف سرها، والإنسان الذي حافظ عليها يدرك أنها أكثر من ظل... إنها حياة.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا