في مرحلة عالمية تتّسم بتقلبات اقتصادية حادة، وتغيرات جيوسياسية متسارعة، وتحولات تقنية تعيد تشكيل خريطة الاقتصاد الدولي، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها نموذجاً اقتصادياً قادراً على قراءة المتغيرات وتحويلها إلى فرص. ولم يعد الازدهار الاقتصادي في التجربة الإماراتية مرتبطاً فقط بمؤشرات النمو التقليدية، بل أصبح انعكاساً لرؤية شاملة تقوم على الاستدامة والتنويع، وبناء اقتصاد مرن قادر على التكيف مع المستقبل.في هذا السياق، يكتسب محور «الازدهار الاقتصادي والفرص الناشئة» أهمية خاصة، كونه أحد المحاور الرئيسية التي تناقشها القمة العالمية للحكومات 2026، في ظل الحاجة العالمية إلى نماذج اقتصادية جديدة تتجاوز الاعتماد على الموارد التقليدية.وتأتي تجربة دولة الإمارات في هذا المحور بوصفها تجربة عملية حية، تعكس كيف يمكن للحكومات أن تعيد صياغة مسارات النمو عبر الابتكار والشراكات والاستثمار في الإنسان، بما يضمن استمرارية الازدهار في عالم سريع التغير. قناعة راسخةانطلقت دولة الإمارات في مسيرتها التنموية من قناعة راسخة بأن التنويع الاقتصادي ركيزة أساسية لأي ازدهار طويل الأمد. وقد تجسدت هذه القناعة في سياسات واضحة هدفت إلى تقليل الاعتماد على الموارد التقليدية، وبناء منظومة اقتصادية متعددة المصادر تعتمد على المعرفة والتكنولوجيا والقطاعات ذات القيمة المضافة العالية. وأسهم هذا التوجه في ترسيخ اقتصاد متوازن قادر على النمو المستدام، بعيداً من التقلبات المرتبطة بأسواق محددة.ومع تطور الاقتصاد العالمي لم تكتف الإمارات بإنشاء قطاعات جديدة، بل عملت على تطوير بيئة ابتكارية متكاملة تدعم البحث والتطوير وتشجع التجريب وتستقطب الاستثمارات النوعية. وأصبح الابتكار في التجربة الإماراتية ثقافة اقتصادية مؤسسية، تسهم في رفع الإنتاجية ودعم التنافسية وتوسيع قاعدة الفرص أمام مختلف القطاعات. الفرص الناشئةشكل التحول نحو القطاعات الاقتصادية الناشئة أحد أبرز ملامح الاستراتيجية الاقتصادية لدولة الإمارات. فقد أدركت الدولة مبكّراً أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو الرقمنة، والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والطاقة النظيفة والاقتصاد الإبداعي، فضلاً عن الفضاء ما استدعى إعادة توجيه الاستثمارات والسياسات نحو هذه المجالات الواعدة.وفي هذا الإطار، أسهمت الأطر التنظيمية المرنة والتشريعات الداعمة والمناطق الاقتصادية المتخصصة، في خلق بيئة جاذبة للشركات الناشئة والعالمية على السواء. كما دعمت الشراكات الدولية قدرة الدولة على نقل المعرفة، وتوطين التقنيات المتقدمة، وتحويل الفرص الناشئة إلى محركات حقيقية للنمو الاقتصادي. بيئة تشريعيةلم يكن ازدهار الاقتصاد الإماراتي ناتجاً عن الموارد أو الموقع الجغرافي فقط، بل جاء مدعوماً ببيئة تشريعية واستثمارية مرنة تواكب التحولات وتستجيب لمتطلبات الاقتصاد الجديد، فقد عملت الدولة على تطوير منظومة قانونية حديثة تضمن حماية المستثمرين، وتعزز الشفافية، وتوفر بيئة أعمال تنافسية قادرة على استقطاب رؤوس الأموال النوعية.وأسهمت السياسات الاقتصادية المنفتحة، وتوسيع شبكة الاتفاقيات الاقتصادية، في تقوية مكانة الإمارات كمركز عالمي للأعمال، يربط بين الأسواق الإقليمية والعالمية. كما وفرت هذه البيئة مساحة واسعة لنمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي باتت رافداً أساسياً للازدهار الاقتصادي وتوليد فرص العمل. رأس المال البشريارتبط الازدهار الاقتصادي في دولة الإمارات ارتباطاً وثيقاً بالاستثمار في الإنسان، بوصفه العنصر الحاسم في اقتصاد المعرفة، فقد أدركت الدولة أن التحول الاقتصادي لا يمكن أن ينجح من دون كفاءات مؤهلة قادرة على الابتكار والتكيف مع المتغيرات. ومن هنا جاءت السياسات الداعمة لتطوير المهارات، وتعزيز التعليم المتقدم وربط مخرجاته باحتياجات سوق العمل المستقبلي.كما شكل تمكين روّاد الأعمال ودعم الابتكار المحلي أحد محاور تحفيز الاقتصاد الوطني، حيث أسهمت المبادرات الحكومية في تحويل الأفكار إلى مشاريع منتجة، ودعم ثقافة الريادة وتوسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية، بما يرسخ الاستقرار ويزيد من النمو طويل الأمد. مرونة الاقتصادفي مواجهة الأزمات والتقلبات العالمية، أظهر الاقتصاد الإماراتي قدرة عالية على الصمود مدعوماً بسياسات مالية ونقدية متوازنة، وبنية تحتية متطورة ومنظومة مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار بسرعة وفعالية. ولم تقتصر هذه المرونة على التعامل مع الأزمات، بل امتدت إلى القدرة على إعادة توجيه الاقتصاد نحو قطاعات أكثر نمواً في أوقات التحدي.كما أسهم التخطيط الاستراتيجي الطويل المدى، واعتماد أدوات استشراف المستقبل، في دعم جاهزية الاقتصاد الوطني لمواجهة سيناريوهات متعددة، بما يضمن استدامة النمو وتحقيق التوازن بين الاستقرار والتجديد. آفاق تنافسيةتواصل دولة الإمارات توسيع حضورها في الاقتصاد العالمي، عبر استكشاف فرص جديدة تتجاوز الأطر التقليدية للنمو، فالتوجه نحو الاقتصاد الأخضر والاستثمار في التقنيات النظيفة وتحقيق الحياد المناخي يفتح مجالات واسعة للابتكار والاستثمار المستدام. كما تطور الاتفاقات الاقتصادية الشاملة والانفتاح التجاري من دور الإمارات محوراً اقتصادياً عالمياً فاعلاً.وفي هذا المشهد، يتحول الازدهار الاقتصادي إلى مسار متكامل يقوم على الابتكار والتنويع وتمكين الإنسان وصناعة الفرص المستقبلية بما يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الاقتصاد العالمي الجديد.إن تجربة دولة الإمارات في تحقيق الازدهار الاقتصادي وصناعة الفرص الناشئة تؤكد أن التنمية المستدامة ليست نتاج المصادفة، بل ثمرة رؤية استراتيجية، وسياسات مرنة واستثمار طويل الأمد في الإنسان والتكنولوجيا، فحين يتكامل الابتكار مع التنويع، وتدار الفرص بعقلية استباقية، يتحول الاقتصاد إلى منصة لصناعة المستقبل.وهكذا، تواصل دولة الإمارات ترسيخ مكانتها نموذجاً عالمياً لاقتصاد قادر على النمو والتجدد، اقتصاد لا يكتفي بمواكبة التحولات، بل يسهم في صناعتها، ويحول الفرص الناشئة إلى ركائز حقيقية للازدهار والاستقرار في العقود القادمة.