عرب وعالم / الامارات / صحيفة الخليج

الابتكار والشمولية.. إعادة تعريف الازدهار الاقتصادي

شهد مطلع القرن الحادي والعشرين تحولات متداخلة في التكنولوجيا والاقتصاد والاجتماع والجيوسياسة. فلم تسلم أي دولة أو قطاع أو مجتمع من تيارات التغيير المتسارعة. فبينما يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل القطاعات الاقتصادية كافة، وتُؤثر ضغوط المناخ في الاقتصادات، وتُغير التحولات الديمغرافية أسواق العمل، يبقى السؤال الذي يُواجه المجتمعات في كل مكان هو نفسه: كيف نبني ونُحافظ على الازدهار الاقتصادي في عصرٍ ليس فيه ضمانات؟
يكمن الجواب في إعادة تصور أسس التقدم. لم يعد الازدهار اليوم نتاجاً ثانوياً للموارد الطبيعية أو الميزة الجغرافية أو الحجم الاقتصادي فحسب، بل ثمرة استراتيجية مُتعمّدة وديناميكية، تُسخّر الابتكار، وتُرسّخ الشمولية، وتسعى لاغتنام الفرص الناشئة التي ستُحدد ملامح العقود القادمة.
بمعنى آخر، في خضمّ التحولات العالمية، يتطلب السعي نحو الازدهار تبنّي أفكار جديدة، وتمكين المشاركة الواسعة، والاستثمار في الأسواق والتقنيات التي تُشكل المستقبل.
فكيف تتضافر هذه الركائز الثلاث - الابتكار، والشمولية، والفرص - لبناء حقبة جديدة من الازدهار العالمي، ولماذا تُخاطر الدول التي لا تتكيف بالتخلف عن الركب.
الابتكار
لطالما كان الابتكار محركاً رئيسياً للتقدم الاقتصادي، لكن أهميته اليوم غير مسبوقة. فمع انتشار الأتمتة والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، تُعد القدرة على الابتكار العامل الأوضح في تحديد الميزة التنافسية.
التحول من ثروة الموارد إلى ثروة الابتكار
تاريخياً، اعتمدت الدول على الأرض، والقوى العاملة، والسلع، أو القدرة التصنيعية لبناء قوتها الاقتصادية. أما اليوم، فقد فاق رأس المال الفكري رأس المال المادي، فالدول الرائدة في الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والتكنولوجيا المالية، والتصنيع المتقدم، والطاقة النظيفة، ترسم معايير أداء الأسواق العالمية وتؤثر في موازين القوى الجيوسياسية.
فالإمارات وسنغافورة وكوريا الجنوبية، دول استغلت بيئات الابتكار لتصبح رائدة عالمياً. في الوقت نفسه، تستثمر الدول التقليدية المُصدّرة للطاقة بكثافة في التكنولوجيا لتنويع اقتصاداتها وإعادة ابتكارها. لقد أصبحت ثروة الابتكار الذهب الجديد.
الثورة الصناعية
الذكاء الاصطناعي موجة الابتكار الأكثر تأثيراً منذ الثورة الصناعية، ولكنه يتطور بوتيرة أسرع بكثير. ولا يقتصر دوره على أتمتة المهام فحسب، بل يُعزز القدرات البشرية، ما يُتيح مستويات جديدة من الإنتاجية والإبداع.
وبدءاً من التشخيص الصحي التنبّئِي إلى سلاسل التوريد ذاتية التعلم، يُغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة عمل الاقتصادات. ولا شك في أن الدول التي تستثمر في تطوير الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول عبر البنية التحتية الرقمية، وحوكمة البيانات، وتنمية المواهب - ستجني عوائد كبيرة.
لكن الابتكار لا يقتصر على الجانب التكنولوجي فقط، فابتكار السياسات، وابتكار نماذج الأعمال، وابتكار الحوكمة لا يقل أهمية. ومن الواضح أن الدول التي تُجري تجارب جريئة في الأطر التنظيمية، والعملات الرقمية، ونقل التكنولوجيا عبر الحدود، وحوافز التحول الأخضر، تُرسّخ مكانتها مراكز عالمية للاستثمار وريادة الأعمال.
لا يمكن لأي دولة أو منظمة أن تُبدع بمعزل عن غيرها وتؤكد التجارب أن بيئات العمل الناجحة للابتكار تتطلب جامعات ومؤسسات بحثية تُنتج الأفكار والمواهب، واستثمارات القطاع الخاص التي تُحفّز التسويق التجاري، وسياسات حكومية تُتيح التجريب وتُقلّل المخاطر، وشراكات عالمية تُسهّل الوصول إلى التكنولوجيا ورأس المال. فالمستقبل للابتكار التعاوني - العابر للحدود، والقطاعات، والتخصصات.
الشمولية أساس الازدهار المستدام
في خضم التحول السريع، برز التفاوت الطبقي وانعدام المساواة كخطر يهدد استمرارية النجاح. فالاقتصادات التي تنمو من دون توزيع الفرص على نطاق واسع سوف تواجه في نهاية المطاف اضطرابات سياسية، وركوداً في الإنتاجية، وتفككاً اجتماعياً. لم يعد الشمول مجرد مثال اجتماعي، بل أصبح ضرورة اقتصادية. وهذا يعني أن تمكين الأفراد للمشاركة في اقتصاد المستقبل يتطلب تزويد المواطنين بالمهارات والأدوات وأنظمة الدعم اللازمة للمشاركة في الصناعات الجديدة. وهذا يتم بتطوير المهارات وإعادة تأهيلها للوظائف الرقمية والخضراء، وتوفير تعليم عالي الجودة متاح للجميع، بدءاً من الطفولة المبكرة وحتى التعلم مدى الحياة، ودعم رواد الأعمال، لا سيما النساء والشباب والفئات المهمشة، مع الشمول الرقمي، لضمان وصول كل أسرة إلى الإنترنت والخدمات الرقمية.
وفي هذا الإطار، تبني دول مثل العربية المتحدة، وفنلندا، وكندا طموحة تركز على الثقافة الرقمية، ومرونة القوى العاملة، والحراك الاجتماعي، إدراكاً منها أن الابتكار لا يكون ذا قيمة إلا بقدر عدد المستفيدين منه.
التماسك الاجتماعي أصل اقتصادي
لا يمكن للمجتمع المتشرذم أن يبتكر بفاعلية، فعندما يتراجع مستوى الثقة في المؤسسات أو تتعمق الانقسامات الاجتماعية، تتآكل الثقة الاقتصادية. تعزز الشمولية التماسك، الذي يعزز الإنتاجية.
على سبيل المثال، تُنتج الفرق المتنوعة حلولاً أكثر إبداعاً، وتجذب السياسات الشاملة المواهب العالمية الماهرة، كما تجذب المجتمعات المستقرة والعادلة الاستثمارات الأجنبية. لذا، فإن الشمولية ليست عملاً خيرياً، بل هي استراتيجية.
الحوكمة الشاملة
يدخل العالم حقبةً تتّسم بتزايد وتيرة الصدمات - الاقتصادية والبيئية والتكنولوجية - وقلة إمكانية التنبؤ بها. من هنا تساعد أطر الحوكمة الشاملة المجتمعات على التكيف بضمان الشفافية ومشاركة المواطنين وصنع سياسات عادلة وتطوير مؤسسات متجاوبة.
لا شك أن الحكومات التي تبني الثقة تستطيع التحرك بسرعة أكبر وتنفيذ الإصلاحات بفاعلية أكبر. أما تلك التي تفقدها، فتواجه صعوبة في العمل حتى في أوقات الأزمات.
يُعاد تشكيل الاقتصاد العالمي بفعل فرص ناشئة لم تكن موجودة قبل عقد من الزمن. وسوف تحدد هذه الفرص الدول التي ستقود الموجة القادمة من الازدهار.
التحول الأخضر
لا يقتصر التحول العالمي نحو الاستدامة البيئية فحسب، بل يخلق تريليونات الدولارات في أسواق جديدة تشمل المتجددة والهيدروجين والوقود البديل وتقنيات احتجاز الكربون والزراعة المستدامة والتصنيع الدائري.
ولا تقتصر فوائد الاستثمار المبكر في التقنيات الخضراء على تخفيف مخاطر المناخ فحسب، بل تتعداها إلى بناء مزايا تنافسية جديدة.
اغتنام الفرص يتطلب سرعة بديهة
تجني الدول التي تتبنّى الشمولية، بتمكين المواهب المتنوعة، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، ودمج المجتمعات المهمشة في نهاية المطاف، مخزوناً أكبر من المواهب وأسواقاً محلية أقوى ومرونة أكبر في فترات الركود وسمعة عالمية أفضل.
الفرص الناشئة تُكافئ السرعة، في الوقت الذي تفوّت الأنظمة البطيئة - البيروقراطية، أو الجامدة، أو المستقطبة سياسياً - فرصاً سانحة كثيرة. ستكون المجتمعات المزدهرة هي القادرة على استشراف صناعات المستقبل وإصلاح الأنظمة بسرعة والاستثمار بجرأة في التقنيات الجديدة واستقطاب المبتكرين العالميين. فالمرونة لا تقل أهمية عن القدرة.
صعود الاقتصاد الرقمي
يشهد قطاع التجارة الإلكترونية، والمدفوعات الرقمية، والعمل عن بُعد، والخدمات الافتراضية نمواً متسارعاً. وتكتسب الدول التي تُرقمن الخدمات العامة، والأنظمة المالية، وسلاسل التوريد، مزيداً من الإنتاجية والشفافية والانتشار العالمي. لقد بات مؤكداً أن بإمكان الاقتصادات الرقمية جذب الشركات العالمية وخفض كلف التشغيل وتمكين الخدمات العابرة للحدود وتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة بمنصات جديدة.
المستقبل للجريئين
يشهد العالم تحولاً عميقاً على المستويات الجيوسياسية والتكنولوجية والبيئية والاجتماعية. في هذا السياق، لم يعد الازدهار مضموناً، بل يجب تحقيقه باستراتيجية مدروسة ورؤية مستقبلية ثاقبة.
لتحقيق الازدهار، يجب على المجتمعات تبنّي القوى الثلاث التي ترسم معالم العصر القادم وهي الابتكار الذي يولد محركات نمو جديدة، والشمولية التي تضمن استدامة الازدهار وتوزيعه على نطاق واسع، والفرص الناشئة التي تضمن للدولة وضع نفسها في طليعة التغيير العالمي.
لا شك في أن الدول والمؤسسات والمجتمعات التي تستوعب هذه المعادلة لن تنجو من الاضطرابات فحسب، بل ستقود العالم نحو مستقبل أكثر ديناميكية وإنصافاً وازدهاراً.
إعادة التشكيلات الجيواقتصادية.. شراكات ومسارات تجارية جديدة
تُتيح التكتلات الاقتصادية الناشئة، والتكامل الإقليمي، وتغير سلاسل التوريد، فرصاً في كثير من المجالات مثل التجارة بين بلدان الجنوب، والممرات الرقمية العابرة للحدود، والتجمعات الصناعية الإقليمية، ومشاريع ربط البنية التحتية.
ومع انتشار القوة العالمية، سيُحقق الازدهار لمن يُوظّفون الشراكات المرنة بدلاً من التحالفات الجامدة.

اقتصاد التجربة الإنسانية
من الفرص سريعة النمو، وغالباً ما يجري تجاهلها، التحول نحو القطاعات التي تُحسّن الحياة ومنها الصحة والرفاهية والصناعات الإبداعية، والسياحة والتجارب الثقافية وخدمات التعليم والمعرفة.
ومع ارتفاع الدخول وتغير أنماط الحياة، يُصبح قطاع «التجربة الإنسانية» محوراً أساسياً للتنويع الاقتصادي.
التقارب لا العزلة
ما يُميّز الدول والشركات الرائدة اليوم هو قدرتها على دمج الابتكار والشمولية والفرص في استراتيجية واحدة متماسكة.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا