عرب وعالم / الامارات / صحيفة الخليج

الحوكمة المرنة.. ضمان لتحقيق الأهداف المتغيرة

يعيش العالم اليوم في عصر يتّسم بتسارع غير مسبوق في وتيرة التغيير، بفعل التكنولوجيا المتقدمة، والتحولات الجيوسياسية، والضغوط الاقتصادية، وتبدّل توقعات المجتمعات. وقد صُمِّمت الكثير من أطر الحوكمة التقليدية خلال حقب كانت فيها المتغيرات أبطأ وأكثر قابلية للتوقع، أما اليوم فباتت تلك الأطر عاجزة عن مواكبة التحولات المتلاحقة. ومع دخول الذكاء الاصطناعي، وتغيّر المناخ، وتنامي الترابط العالمي في صميم الحياة اليومية، تواجه الحكومات تحديين متلازمين: كيفية جعل الحوكمة أكثر قدرة على التكيّف، وكيفية تعزيز الثقة والشمولية في الوقت نفسه.

فالحوكمة القابلة للتكيّف من دون ثقة تُفضي إلى التوتر والاضطراب الاجتماعي. والشمولية من دون قدرة على التكيّف تُفضي إلى الجمود. ومن ثمّ، بات مطلوباً من الحكومات أن تحقق معادلة دقيقة تجمع بين المرونة، والشفافية، والمشاركة، والاستعداد المستمر للتعلم، وأدوات الإدارة الأخلاقية. فكيف يمكن للحكومات إعادة تشكيل منظوماتها لتصبح أكثر مرونة في مواجهة التغيير، وأكثر قدرة على كسب ثقة المواطنين، وأكثر شمولية لمختلف فئات المجتمع.
ضرورات الحوكمة المرنة
اعتمدت الحوكمة التقليدية على الإجراءات الخطية، والهياكل الهرمية، ودورات السياسات الطويلة. أما اليوم، فالتغيير غير خطي، بل متسارع ومتشابك. ويمكن تلخيص أبرز عوامل الضغط على الحوكمة في ثلاثة محاور:
تسارع التكنولوجيا.. الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والتقنيات الحيوية، والمنصات الرقمية تعيد تشكيل الاقتصادات والمجتمعات بسرعة تفوق قدرة التشريعات على الاستجابة. لذلك تظهر فجوات حوكمة واضحة في مجالات مثل حماية البيانات، وتنظيم الخوارزميات، والأمن السيبراني.
ديناميات «تعدد الأزمات».. الأزمات المناخية، والأوبئة، وتعطل سلاسل الإمداد، والتوترات الجيوسياسية تتفاعل ويؤثر بعضها في بعض بطرائق يصعب التنبّؤ بها. وهذا يفرض على الحكومات تنسيقاً أكثر مرونة بين القطاعات، بدل الاتكال على البيروقراطيات المتصلّبة.
تغيّر توقعات المواطنين.. يريد المواطنون مزيداً من الشفافية، والمساءلة، والمشاركة. ويتراجع مستوى الثقة عندما يرى الناس حكومات لا تتحرك بالسرعة المطلوبة أو تبدو منفصلة عن احتياجاتهم.
من هنا، باتت القدرة على الاستشراف، والتجربة، والتعديل السريع، والتعاون ضرورية لنجاح أي حكومة.
مبادئ الحوكمة القابلة للتكيّف
تتشارك الحكومات المتقدمة في الحوكمة المرنة في مجموعة من الركائز الأساسية:
- الاستشراف وبناء القدرة على التنبّؤ
لا يمكن للحكومات الانتظار حتى وقوع الأزمات. لذا تُعد أدوات الاستشراف، مثل تخطيط السيناريوهات والمسح الاستراتيجي، ضرورية لتقييم المخاطر والفرص. وقد نجحت دول مثل سنغافورة وفنلندا في دمج وحدات الاستشراف ضمن مؤسساتها الحكومية.
- مرونة القوانين والسياسات
القوانين الصارمة والثابتة غير ملائمة للعصر السريع. ومن أكثر الأدوات الحديثة جدوى اعتماد الرقابة القائمة على النتائج وليس الوسائل، وتوفير بيئات «التجارب التنظيمية» لفحص التقنيات الجديدة، وتبني معايير «انقضاء الصلاحية» لمراجعة القوانين دورياً، وسن تشريعات قابلة للتعديل استناداً إلى البيانات الجديدة.
- نهج حكومي شامل وعابر للقطاعات.. التحديات المعقدة تتطلب تعاوناً بين المؤسسات، وإزالة الحواجز بين الوزارات، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص والمجتمع المدني.
- التعلّم المستمر.. يشمل تقييم السياسات، ومشاركة الخبرات، والاعتماد على البيانات، وتجربة المبادرات قبل تعميمها.
- التحول الرقمي.. ترفع الأدوات الرقمية كفاءة الخدمات، وتحسن صنع القرار. لكن الرقمنة لا تنجح دون حماية البيانات، والشفافية، وضمان العدالة في الوصول إلى الخدمات.
بناء الثقة بالحوكمة المرنة
التكيّف وحده ليس كافياً، فالتغيير المتسارع قد يثير القلق أو الشك إذا لم يكن مصحوباً بآليات واضحة للمساءلة، لذلك يجب أن تكون الثقة جزءاً لا يتجزأ من عملية التكيّف.
تنشر الحكومات الشفافة، البيانات، والإحصاءات، ونماذج القرار، وتشارك المواطنين في الأسس التي تعتمدها في اتخاذ السياسات. يخفف ذلك من انتشار الشائعات والاتهامات، ويعزز ثقة المواطنين.
ويحتاج المواطن إلى ضمانات بأن الحكومة لا تتخذ قرارات متسرعة بلا ضوابط. ولهذا للجهات الرقابية المستقلة واللجان الأخلاقية وسلطات حماية البيانات دور أساسي في تعزيز الثقة. ويمكن للحكومات بناء الثقة بتوسيع قنوات المشاركة: المشاورات العامة، المجالس الوطنية، المنصات الرقمية، للتعبير عن الرأي، فالمشاركة العميقة تقلّص المسافة بين الدولة والمجتمع. الخطاب الحكومي خلال الأزمات يجب أن يجمع بين العلمية والإنسانية. فالثقة تنبع من الشعور بأن الحكومة تستمع وتتعاطف، لا تنفّذ فقط. والمرونة قد تؤدي إلى خلق فجوات جديدة إن لم تُبنَ على أساس العدالة.


سدّ الفجوة الرقمية
لا يكون التحول الرقمي شاملاً إذا تُرك كبار السن أو الفقراء أو المناطق الريفية خارج الخدمة. ويتطلب ذلك توفير شبكات إنترنت سريعة للجميع وتعليم رقمي وخدمات حكومية متاحة لذوي الإعاقة واستمرار الخيارات غير الرقمية لمن يحتاج إليها.
وبعض الفئات تحتاج إلى دعم أكبر في إيصال صوتها، مثل الشباب، والأقليات، وذوي الإعاقة. وتوفير منصات ملائمة لهم يعزز الشمولية. ويجب تقويم أثر السياسات في مختلف الفئات قبل إصدارها، بما في ذلك أثرها في النوع الاجتماعي والفئات الهشّة والمناطق المهمّشة.
حماية متضرري التحولات.. قد تؤدي التكنولوجيا أو الانتقالات الاقتصادية إلى فقدان الوظائف. لذلك من الضروري توفير إعادة تأهيل الموظفين وشبكات الأمان الاجتماعي ومبادرات دعم المناطق المتضررة.
نماذج مؤسسية للحوكمة المرنة الشاملة
تشمل هذه الهياكل نماذج منها: فرق عمل متعددة التخصصات، ووحدات الاستجابة السريعة، وعمليات شراء مرنة للابتكار، ومجموعات حكومية تعمل بطريقة رشيقة.
ووحدات الابتكار والتجارب التنظيمية تسمح للحكومات باختبار السياسات الجديدة قبل اعتمادها على نطاق واسع.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي في صنع القرار، تحتاج الحكومات إلى أطر لضمان الخصوصية والعدالة وعدم التمييز وشفافية الخوارزميات.
وتكون الحكومات المحلية أقرب للناس وأكثر قدرة على تلبية حاجاتهم بسرعة. تشمل مراكز عمليات وطنية، وبروتوكولات اتصال سريعة، وآليات تعاون دولي ببنية متقدمة لإدارة الأزمات.
الثقافة المؤسسية الداعمة للحوكمة المرنة
ينبغي تشجيع الموظفين على التجربة، والتفكير الخلّاق، وتعلّم الدروس من الإخفاق، ولا يمكن لحكومة مجزأة في وزارات مُغلقة أن تكون مرنة، لأن التعاون أساس التكيف، وتعزز القيادة القائمة على النزاهة والعدالة الثقة وتوجّه المؤسسات نحو قرارات مستدامة.
توصيات لا بدّ منها
ينبغي دمج الاستشراف في صنع السياسات عبر وحدات متخصصة وربط النتائج بعمليات التخطيط والميزانية. كما ينبغي اعتماد تشريعات مرنة مثل بيئات التجربة، والقوانين المحكومة بالنتائج، والمراجعة الدورية، وتعزيز الشفافية والبيانات المفتوحة لرفع مستوى الثقة العامة داخل المؤسسات ومع القطاع الخاص والمجتمع المدني.
وختاماً تواجه الحكومات اليوم عالماً سريع التغير، مملوءاً بالتحديات المعقدة والفرص الكبيرة. ولكي تنجح في هذا السياق، عليها أن تجمع بين المرونة والشرعية، بين القدرة على التكيف السريع، وبين القدرة على كسب ثقة المواطنين واستيعاب احتياجات جميع فئات المجتمع.
إن الحوكمة المرنة ليست مجرد عملية إدارية، إنها عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطن.

أمثلة لدول نجحت في الحوكمة المرنة
عملت على ترسيخ ثقافة الابتكار، وإطلاق وحدات التسريع الحكومي، والاستثمار في التحول الرقمي، ووضع رؤى طويلة المدى مثل «مئوية الإمارات 2071».
إستونيا:
رائدة الحوكمة الرقمية حيث طورت هُوية رقمية وطنية، وخدمات حكومية إلكترونية متكاملة، ونظاماً شفافاً لتبادل البيانات.

شكّلت مرحلة الجائحة مثالاً على كيفية بناء الثقة عبر خطاب حكومي إنساني وشامل.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا