في عالم يتسارع فيه التحول الرقمي وتفرض فيه التقنيات المتقدمة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، إيقاعها على الاقتصادات والمؤسسات، يبرز رأس المال البشري بوصفه القوة الحقيقية التي لا يمكن استبدالها. فالتكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، تظل أداة، بينما يبقى الإنسان هو من يصنع الرؤية، ويقود التغيير، ويمنح الابتكار معناه وقيمته. واليوم، لم يعد الاستثمار في البشر خياراً تكميلياً، بل أصبح الركيزة الأساسية لاستدامة النمو، والقدرة التنافسية، وبناء مستقبل اقتصادي واجتماعي متوازن. يشهد قطاع الخدمات المالية والمصرفية، كما تشير دراسات المنتدى الاقتصادي العالمي وتجارب بنوك كبرى مثل بنك «أكسيس»، تحولاً عميقاً بفعل الذكاء الاصطناعي. فقد أصبحت تطبيقات مثل روبوتات المحادثة، وتحليل البيانات، واكتشاف الاحتيال، أدوات أساسية في العمل اليومي.لكن هذا التحول لا يعني تراجع دور الإنسان، بل على العكس؛ إذ تتجه الوظائف نحو مهام أعلى مهارة وأكثر تعقيداً، بينما تُؤتمت الأعمال الروتينية. وتشير تحليلات سوق العمل إلى أنه بين عامي 2013 و2019 انخفضت الوظائف الداعمة التقليدية في القطاع المالي عالمياً، مقابل ارتفاع واضح في الوظائف المهنية والتقنية.وهنا يتحول رأس المال البشري إلى ميزة تنافسية حقيقية، حيث يصبح الجمع بين الذكاء البشري والقدرات الاصطناعية هو النموذج الأمثل للمؤسسات الناجحة.تؤكد التقارير أن إعادة التأهيل المهني (Reskilling) وصقل المهارات (Upskilling) لم تعد مبادرات ثانوية، بل ضرورة استراتيجية. فوفق بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي، أكمل نحو 50 % من الموظفين تدريباً ضمن استراتيجيات تعلم طويلة الأجل في مؤسساتهم في عام2024، مقارنة بـ41% في عام 2023.وتظهر تجارب عملية أن الاستثمار في التدريب الداخلي يحقق عوائد ملموسة؛ إذ سجّل موظفو أحد البنوك الخاصة الكبرى أكثر من 6.5 مليون ساعة تعلم في عام واحد، شملت مجالات مثل الأمن السيبراني، والحوسبة السحابية، وهندسة البيانات، والذكاء الاصطناعي.والتحول الأهم يتمثل في الانتقال من توصيف الوظائف التقليدي إلى نموذج قائم على المهارات والمهام، حيث تُبنى الأدوار الوظيفية من مجموعة مهام يُسند بعضها إلى الإنسان وبعضها إلى الذكاء الاصطناعي، ما يمنح المؤسسات مرونة أعلى وقدرة أسرع على التكيف.وبحلول عام 2026، تشير دراسات شركة «أيون» إلى أن الذكاء الاصطناعي والبيانات سيصبحان محور إدارة الموارد البشرية. فدور إدارات الموارد البشرية لم يعد إدارياً فقط، بل تحول إلى دور قيادي في توجيه التحول المؤسسي.ورغم ذلك، تُظهر استطلاعات عالمية أن 3 % فقط من القيادات التنفيذية ترى أن الموارد البشرية تقود استخدام الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار، وهو ما يكشف فجوة إدراكية يجب معالجتها.وتشير التوقعات إلى أن 39 % من المهارات الأساسية للعاملين ستتغير بحلول عام 2030، مع تصدر مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة قائمة المهارات الأسرع نمواً. لذلك، فإن بناء ثقافة ثقة، تشجع التجربة، وتضمن الشفافية والحوكمة الأخلاقية في استخدام الذكاء الاصطناعي، بات شرطاً أساسياً لنجاح أي استراتيجية بشرية. صحة الموظفين وتكاليف الرعاية: البعد الإنساني للاستدامةلا يقتصر مستقبل رأس المال البشري على المهارات فقط، بل يمتد إلى الصحة والرفاه. وتشير بيانات عالمية إلى أن تكاليف الرعاية الصحية ترتفع بمعدل يقارب أربعة أضعاف معدل التضخم في بعض المناطق. كما أن 1 % من المستفيدين يتسببون في نحو 40 % من إجمالي تكاليف الرعاية الصحية.وتُظهر الدراسات أن الاستثمار في برامج العافية الشاملة – الجسدية، والنفسية، والمالية – لا يحسن صحة الموظفين فحسب، بل يرفع الإنتاجية ويعزز الولاء الوظيفي. وتوضح أبحاث أيون أن دمج التحليلات التنبؤية في إدارة الصحة يمكن أن يخفض الزيادات المتوقعة في التكاليف من 11.2 % إلى 8.7% في بعض الأسواق.أصبحت الشفافية في الأجور عاملاً حاسماً في بناء الثقة. إذ تشير الدراسات إلى أن 47 % من الموظفين يعدّون الأجر والمزايا العامل الأول في اختيار جهة العمل. ومع دخول تشريعات جديدة، مثل توجيه الاتحاد الأوروبي للشفافية في الأجور المقرر تطبيقه بحلول عام 2026، تتحول الشفافية من خيار أخلاقي إلى ضرورة تنظيمية وتنافسية.وتكشف الدراسات أن المؤسسات التي تعيد تصميم هياكل الوظائف وتربط الأجور بالمهارات، لا بالمسميات الوظيفية فقط، تحقق مستويات أعلى من العدالة والاحتفاظ بالمواهب.يمتد مفهوم رأس المال البشري إلى ما بعد سنوات العمل النشط. فمع ارتفاع متوسط العمر وتراجع كفاية أنظمة التقاعد التقليدية، يواجه العالم تحدياً مزدوجاً: قوة عاملة تتقدم في العمر، وضغوط متزايدة على الأنظمة الاجتماعية.وتشير التوقعات إلى أن نسبة من هم فوق 65 عاماً ستتضاعف تقريباً خلال 25 عاماً في عدة دول متقدمة. وفي هذا السياق، يصبح دعم الاستعداد للتقاعد، والتخطيط المالي، وإتاحة نماذج تقاعد مرنة، جزءاً من استراتيجية إدارة المواهب، وليس نهاية لمسارها.إن مستقبل رأس المال البشري يُبنى اليوم، في لحظة تاريخية يتقاطع فيها الذكاء الاصطناعي مع تطلعات الإنسان. فالمؤسسات التي تدرك أن الإنسان هو الأصل الأهم، وتستثمر في مهاراته، وصحته، وثقته، وكرامته، ستكون الأقدر على المنافسة والاستدامة.وفي عالم تُعاد فيه صياغة الوظائف، وتُختبر فيه القيم، يبقى الرهان الرابح هو تمكين الإنسان، لا استبداله، وبناء شراكة حقيقية بين العقل البشري والآلة الذكية، من أجل مستقبل أكثر إنتاجية وعدلاً وازدهاراً.