ييشياو زهو* حقّق الاقتصاد الصيني هدف النمو الرسمي الذي حددته الحكومة في عام 2025، إذ أظهرت البيانات الرسمية أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ارتفع بنسبة 5%. وقد أدت الصادرات دوراً أكبر من المعتاد في تحقيق هذا النمو المُعلن. فعلى الرغم من حرب تجارية كامنة مع الولايات المتحدة، أنهت الصين العام بفائض تجاري قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار أمريكي، بعد أن رفعت صادراتها إلى أسواق جديدة في بقية أنحاء العالم. لكن خلف هذه الأرقام اللافتة، لا يزال الاقتصاد الصيني يواجه الكثير من المطبات والعراقيل. فالإنفاق الاستهلاكي ما زال ضعيفاً، والصادرات – على قوتها – تواجه قدراً متزايداً من عدم اليقين العالمي، في حين أن الإنفاق الحكومي مقيّد بضغوط الدين في القطاع العام. ويضاف إلى ذلك أن عدد سكان الصين واصل التراجع للعام الرابع على التوالي في 2025، بعدما بلغ معدل المواليد مستوى قياسياً متدنياً، ما يعزز المخاوف من أن الشيخوخة السكانية ستكبح الاقتصاد في السنوات المقبلة. إن تقلّص عدد السكان ليس بالضرورة متعارضاً مع ارتفاع مستويات المعيشة. فالعامل الحاسم هو ما إذا كان نمو الإنتاجية قادراً على التعويض عن تقلّص القوة العاملة. وبالنسبة للصين، يعني ذلك أن الاستثمار المحلي – وليس الاستهلاك أو التوسع في الإنفاق الحكومي – سيكون على الأرجح الآلية الأساسية للحفاظ على النمو. وتشير بيانات حديثة إلى أن ضعف الاستهلاك الأسري في الصين ليس مجرد ظاهرة مؤقتة بعد الجائحة، بل يعكس عوامل هيكلية أعمق. فعلى الرغم من أن نمو الناتج المحلي الإجمالي بلغ الهدف السنوي في 2025، لم تنمُ مبيعات التجزئة سوى بنسبة 0.9% على أساس سنوي في ديسمبر/كانون الأول، وهو أبطأ معدل منذ أواخر 2022. ويبرز ذلك هشاشة الطلب الاستهلاكي، على الرغم من الإجراءات السياسية الهادفة إلى دعم الإنفاق. وعلى الرغم من أن قطاع الخدمات يواصل التوسع ويشكّل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي، فإن حصة الاستهلاك الأسري من الاقتصاد لا تزال منخفضة مقارنة بالمعايير الدولية. ولا تزال معدلات الادخار المرتفعة، وحالة عدم اليقين المرتبطة بتراجع سوق العقارات، والمخاوف بشأن أمن الوظائف والدخل، تثقل كاهل قرارات الإنفاق. ويتسق هذا مع اتجاهات طويلة الأمد رصدتها الأبحاث الأكاديمية. فسياسات تحفيز الاستهلاك يمكن أن تعزز الإنفاق على المدى القصير، لكنها لم تغيّر جذرياً تفضيلات الأسر التي تميل إلى الادخار أكثر من الإنفاق. وظلّ الإنتاج الصناعي متماسكاً، وأسهم صافي الصادرات بشكل كبير في التوسع الاقتصادي، ما ساعد على تعويض ضعف الطلب المحلي. صحيح أن صادرات الصين إلى الولايات المتحدة تراجعت في 2025، لكن التحوّل نحو أسواق جديدة في جنوب شرق آسيا وأمريكا الجنوبية وأوروبا وإفريقيا عوّض هذا الانخفاض. غير أن اعتماد الصين على صافي الصادرات كمصدر للنمو يبقى هشّاً. فبينما أسهمت الصادرات على نحو غير معتاد في نمو 2025، قد يكون من الصعب تكرار هذا النمط في ظل الضغوط الحمائية واحتمالات تصعيد الرسوم الجمركية. نظرياً، يمكن للإنفاق الحكومي أن يتدخل لتثبيت الطلب. لكن ذلك يبدو صعباً عملياً في الوقت الراهن. فالحكومات المحلية تواجه أعباء ديون مرتفعة، وتراجعاً في الإيرادات من مبيعات الأراضي، وضغوطاً متزايدة مرتبطة بالبرامج الاجتماعية وصيانة البنية التحتية. وهذا يحدّ من قدرتها على تنفيذ إنفاق حكومي واسع النطاق من دون تفاقم المخاطر المالية. ومع ذلك، تواصل الصين تحقيق معدلات ادخار وطني مرتفعة جداً. ففي عام 2024، بلغت المدخرات الوطنية 43.4% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي المقابل، ظل الاستهلاك كنسبة من الناتج المحلي – أي الوجه الآخر لمعدل الادخار – أقل بنحو 20 نقطة مئوية من المتوسط العالمي. إذا لم تُستوعَب مدخرات الدولة محلياً عبر استثمارات منتِجة، فإنها تنتهي بتغذية فائض في الحساب الجاري، ما قد يعرّض الاقتصاد لتوترات مع الشركاء التجاريين. في عام 2025، تراجع الاستثمار في الأصول الثابتة (الاستثمارات طويلة الأجل مثل المباني والمعدات) بنسبة 3.8%، مع هبوط استثمارات العقارات بنحو 17%. ويشير ذلك إلى حجم التراجع في قطاع العقارات، والحاجة إلى توجيه الاستثمارات نحو قطاعات ذات عوائد أعلى، مثل التصنيع والخدمات والتكنولوجيا. على المدى الطويل، قد يكون توجيه المدخرات الوطنية المرتفعة في الصين إلى استثمارات محلية كفؤة أكثر تأثيراً من إجراءات التحفيز الحكومي، شريطة أن يُخصّص رأس المال للشركات والقطاعات المنتِجة، لا لمشاريع بلا جدوى. ويضيف تقلّص عدد السكان بُعداً مهماً آخر لهذا التحدي. فكما ذُكر، الانكماش السكاني لا يتعارض بالضرورة مع تحسّن مستويات المعيشة، لكنه يفرض الحاجة إلى تعزيز الإنتاجية عبر التقدم التكنولوجي والابتكار ورفع مهارات القوة العاملة. وتُظهر الإحصاءات الرسمية بالفعل أن الخدمات كثيفة التكنولوجيا وقطاعات التصنيع عالية القيمة تنمو بوتيرة أسرع من بقية الاقتصاد * أستاذة الاقتصاد ومديرة برنامج الاقتصاد الصيني في الجامعة الوطنية الأسترالية (آسيا تايمز)