استشاري متخصص تعليم مونتيسوري وتطوير أكاديميات
الاحد 15 فبراير 2026 | 01:11 صباحاً
رحاب محمد عبدالغني
لم يعد التابلت مجرد وسيلة ترفيه عابرة في بيوتنا، بل أصبح عنصرًا حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية للطفل. تبدأ الحكاية عادة بدقائق قليلة بهدف إشغاله أو تهدئته، ثم تتحول هذه الدقائق تدريجيًا إلى عادة، والعادة إلى اعتماد متزايد يصعب التحكم فيه. وهنا لا يصبح السؤال: هل نمنع التابلت؟ بل كيف ندير حضوره في حياة أطفالنا بطريقة واعية ومتوازنة؟
ينجذب الطفل إلى الشاشة لأنها تقدم له تحفيزًا سريعًا ومكثفًا؛ ألوان لامعة، وحركة متواصلة، ومكافآت فورية. هذا النمط من الإثارة السريعة يؤثر في طريقة استقبال الدماغ للمتعة، فيعتاد الطفل الاستجابة الفورية بدل الجهد التدريجي. المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في غياب البديل الواقعي الجاذب، وفي غياب الإطار المنظم للاستخدام.
قدمت الطبيبة والمربية الإيطالية ماريا منتيسوري رؤية مختلفة للطفل؛ إذ أكدت أن الطفل لا يحتاج إلى ترفيه دائم، بل إلى بيئة معدّة جيدًا تتيح له العمل الحقيقي. في فلسفة مونتيسوري، الحرية لا تعني الفوضى، بل تعني حرية داخل حدود واضحة. الطفل يتعلم بالفعل لا بالمشاهدة، ويتطور من خلال الحركة والتجربة المباشرة. واليد، في هذا التصور، هي المدخل الطبيعي إلى العقل.
عندما ينشغل الطفل بأنشطة عملية حقيقية، مثل صبّ الماء، وترتيب ألعابه، والمساعدة في إعداد الطعام، أو تركيب الألعاب التي تتطلب تركيزًا، فإنه يحقق إشباعًا داخليًا عميقًا يقلل حاجته إلى التحفيز السريع الذي تقدمه الشاشة. الطفل الذي يعمل بيديه يبني ثقته بنفسه، ويتعلم الصبر، ويختبر معنى الإنجاز الواقعي.
الإدارة الواعية للشاشات تقوم على عدة مبادئ عملية. أولها تحديد وقت واضح وثابت لاستخدام الجهاز، بحيث يعرف الطفل القاعدة مسبقًا دون تفاوض يومي؛ فالوضوح يمنح الطفل شعورًا بالأمان. ثانيها عدم استخدام التابلت مكافأةً أو عقابًا، لأن ربطه بالسلوك يضاعف قيمته العاطفية ويجعله الجائزة الأكبر في ذهن الطفل. ثالثها توفير بدائل جذابة داخل المنزل، مثل ركن أنشطة بسيط يحتوي على أدوات تناسب عمر الطفل، وألعاب تركيب، وأنشطة فنية، ومواد للقراءة المصورة.
كما أن القدوة عنصر حاسم في هذه المعادلة؛ فالطفل يتعلم من سلوك والديه أكثر مما يتعلم من توجيهاتهما. فإذا كان الهاتف حاضرًا باستمرار في يد الكبار، فمن الصعب إقناع الطفل بضرورة التقليل من استخدامه. الاتساق بين القول والفعل هو أساس التربية الواعية.
ومن الأخطاء الشائعة كذلك اللجوء إلى المنع المفاجئ دون تمهيد، أو السماح باستخدام الشاشة قبل النوم، أو استخدامها وسيلة دائمة لإسكات الطفل عند شعوره بالملل. مع أن الملل، إذا أُحسن التعامل معه، يمثل مساحة خصبة للإبداع والتفكير. فالطفل الذي يتعلم تحمّل لحظات الفراغ يطوّر قدرته على الابتكار وصناعة المتعة بنفسه.
لسنا مطالبين بتربية أطفال خارج العصر الرقمي، ولن يكون الحل في عزلهم عن التكنولوجيا، بل في تعليمهم استخدامها بوعي. الفارق بين طفل تسيطر عليه الشاشة وطفل يستخدمها باعتدال هو وجود أسرة تضع حدودًا واضحة، وتوفر بيئة غنية بالخبرات الواقعية، وتؤمن بقدرة الطفل على التعلم الذاتي.
إن بناء جيل مختلف يبدأ من البيت؛ جيل يعرف كيف ينتظر، وكيف يعمل، وكيف يختار، وكيف يتحمل المسؤولية. جيل لا يهرب من الواقع إلى شاشة، بل يمتلك أدوات التفاعل الحقيقي مع الحياة.
وفي هذا الإطار، تأتي الجلسات التربوية المتخصصة لتفتح بابًا للنقاش العملي حول كيفية استعادة التوازن داخل الأسرة. ومن بين هذه اللقاءات، تُعقد جلسة «كيف أكون ماما مونتيسوري» ، ضمن فعاليات مؤتمر مونتيسوري الدولي IMC 2025–2026، في دورته السابعة، الذي يجمع نخبة من الخبراء والمتخصصين في تعليم الطفولة المبكرة من عدة دول عربية وأوروبية، حيث يُطرح التطبيق الواقعي لفلسفة مونتيسوري في البيوت العربية، مع التركيز على إدارة الشاشات وبناء الاستقلالية والثقة لدى الطفل.
إن التحدي ليس في إلغاء التكنولوجيا، بل في صناعة وعي جديد، ووعي الأم هو نقطة البداية. فحين تفهم احتياجات طفلها النمائية، وتوفر له بيئة منظمة، وتمنحه حرية منضبطة، فإنها لا تقلل فقط من تعلقه بالشاشة، بل تؤسس لطفولة متوازنة تنمو فيها الشخصية بثبات وثقة.
في زمن التابلت، تبقى أعظم هدية يمكن أن نقدمها لأطفالنا هي طفولة حقيقية، متصلة بالواقع، قائمة على التجربة، ومبنية على المعنى.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة السعودي اليوم ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من السعودي اليوم ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
