في ظل انتعاش غير مسبوق في السوق العقاري الإماراتي وتسارع إطلاق المشاريع الجديدة، تشهد أسعار الأسمنت ومواد البناء موجة ارتفاع حادة منذ نهاية عام 2025، ما يفرض ضغوطاً متزايدة على قطاع التشييد والمقاولات.وأدى الزخم القوي في الطلب إلى اختناقات في سلاسل التوريد واقتراب مصانع الأسمنت من حدود طاقتها الإنتاجية القصوى، وسط فجوة متنامية بين العرض والطلب.أظهرت بيانات السوق ارتفاع أسعار الأسمنت بنحو 40% مقارنة بمستويات نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، بالتوازي مع قفزات كبيرة في أسعار الخرسانة الجاهزة وتكاليف التشطيب، ما يثير مخاوف من استمرار الضغوط السعرية خلال الأشهر المقبلة. فجوة مؤقتةقال سامح عطية، مدير الحسابات في شركة ويبر سان غوبان للمقاولات، إن أسعار الأسمنت ارتفعت بنحو 14% منذ بداية عام 2026، بينما بلغت الزيادة التراكمية قرابة 40% مقارنة بمستويات نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي 2025.وأوضح عطية أن الطلب القوي على مواد البناء الأساسية، وعلى رأسها الأسمنت، يعكس مرحلة ذروة يمر بها قطاع التطوير العقاري، بالتوازي مع توسع الاستثمارات في المشاريع السكنية والتجارية والبنية التحتية. وأضاف أن هذا الزخم أدى إلى تشديد المنافسة على الإمدادات وخلق فجوات مؤقتة بين العرض والطلب.وبحسب عطية، يتراوح سعر الطن الواحد حالياً بين 260 و270 درهماً في السوق المحلية، مع توقعات ببلوغه مستوى 300 درهم خلال الأشهر المقبلة، في حال استمرار وتيرة المشاريع الحالية وارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج والنقل. وأشار إلى أن قوة الطلب دفعت الشركة إلى جدولة حجوزات تمتد حتى ثلاث سنوات مقبلة، في خطوة وصفها بأنها غير مسبوقة منذ تأسيس الشركة.كما تضاعفت وتيرة التسليمات اليومية بمقدار 3 مرات، من 10 شاحنات إلى 40 شاحنة، ما يمثل زيادة تقارب 300%، في محاولة لمواكبة متطلبات السوق المتسارعة. وفي ظل هذه الظروف، لجأت الشركة إلى امتصاص جزء من الزيادات السعرية عبر تخفيض الهوامش لبعض العملاء، خصوصاً في حالات تأخر التسليمات. في المقابل، أقدمت شركات أخرى على شراء الأسمنت بأسعار تفوق المستويات السائدة، سعياً لتأمين الكميات وتسريع جداول التنفيذ، ما يعكس حدة المنافسة وضيق هوامش الوقت في السوق الحالية. ضغوط كبيرةقال مهند العتيبي، المدير العام لشركة إعمار الخليج: إن مصانع الأسمنت في دولة الإمارات تشهد ضغوطاً تشغيلية غير مسبوقة على صعيد الحجوزات والتسليمات، في ظل تسارع وتيرة الطلب في قطاع التشييد والبناء، ولا سيما على الخرسانة الجاهزة.وأضاف: تعكس هذه الضغوط اختناقات متزايدة في سلاسل التوريد، مع اقتراب العديد من المصانع من حدود طاقتها الإنتاجية القصوى.وأوضح العتيبي أن بعض موردي مواد البناء توقفوا فعلياً عن قبول عملاء جدد خلال الفترة الحالية، في وقت امتنعت فيه شركات أخرى عن استلام أو مراجعة البيانات المالية للشركات الراغبة في التعاقد، في محاولة لتنظيم الطلب المتزايد وإدارة المخاطر التشغيلية.وبحسب العتيبي، ارتفعت أسعار الخرسانة الجاهزة 60%، من 240 درهماً إلى نحو 360 درهماً في الوقت الراهن، وهو ما يعكس ضغوطاً سعرية حادة ناجمة عن ذروة الطلب. وأشار إلى أن الأسمنت يدخل في عدد كبير من المنتجات والأنشطة المرتبطة بالبناء، مثل الطابوق وأعمال التشطيبات النهائية، ما يجعل تأثير ارتفاع أسعاره أكثر اتساعاً مقارنة بالخرسانة الجاهزة ذات الاستخدامات المحدودة نسبياً.وأضاف أن تكاليف البناء الإجمالية قفزت بنحو 60% خلال عام ونصف، مدفوعة بارتفاع أسعار المواد والخدمات المرتبطة بالتنفيذ، حيث ارتفعت كلفة تشطيب البناء للقدم المربعة من 240 درهماً في عام 2024 إلى نحو 360 درهماً حالياً.وعزا العتيبي هذا الارتفاع الحاد في الأسعار إلى الطلب المفاجئ وغير المحدود على مواد البناء، مدعوماً بالانتعاش القوي في السوق العقاري الإماراتي، وتسارع إطلاق المشاريع الجديدة، إلى جانب المنافسة الشديدة بين المطورين على تسريع جداول التنفيذ، ما يزيد الضغوط على الموردين والمقاولين على حد سواء. زيادة المشترياتفي سياق متصل، قال عمر سعيفان، مدير المبيعات لدى شركة «بي آر سي أرابيا» للمقاولات، إن أسعار الأسمنت والخرسانة الجاهزة سجلت ارتفاعات قياسية منذ مطلع عام 2026، تراوحت بين 20% و25%، فيما تجاوزت نسبة الزيادة 30% منذ الربع الأخير من عام 2025.وأوضح سعيفان أن الطلب اليومي القوي على مواد البناء، في ظل تسارع إطلاق المشاريع العقارية وتوسع أعمال الطرق والبنية التحتية، أدى إلى زيادة ملموسة في مشتريات شركات المقاولات، ما عزز الضغوط على سلاسل التوريد. ولفت إلى أن حجم الطلب على الأسمنت والخرسانة قفز بنسبة تتراوح بين 15% و20% منذ بداية يناير/ كانون الثاني، مدفوعاً بتسارع وتيرة التنفيذ وحرص الشركات على تأمين احتياجاتها مسبقاً.وأشار إلى أن فترات تسليم بعض المواد الإنشائية، مثل الحديد والصلب، امتدت إلى نحو 10 أيام عمل لإتمام الطلبيات، مقارنة بثلاثة أيام فقط في السابق، في مؤشر على تزايد الاختناقات التشغيلية.وبيّن سعيفان أن مشاريع الأبنية السكنية والأبراج الشاهقة تستحوذ على الحصة الأكبر من استهلاك الأسمنت والخرسانة، بنسبة تصل إلى 70% من إجمالي الطلب، مقابل نحو 30% للمشاريع المرتبطة بالبنية التحتية وشق الطرق. إعادة جدولةباتت شركات المقاولات أكثر ميلاً إلى إعادة جدولة جداول التنفيذ وتعديل بنود العقود لمواكبة تقلبات الأسعار، خصوصاً في المشاريع طويلة الأجل، حيث تمثل كلفة المواد نسبة جوهرية من إجمالي الميزانيات. وبدأ بعض المطورين بإعادة تقييم خطط الطرح المرحلي للمشاريع لتفادي ضغوط الكلفة وتسريع دورة رأس المال.ويبقي استمرار وتيرة الطلب الحالية الأسعار عند مستويات مرتفعة خلال النصف الأول من العام الجاري 2026، ما لم يشهد السوق زيادة في الطاقات الإنتاجية أو تحسناً في انسيابية التوريد. في الوقت ذاته، تعكس قوة السوق متانة القطاع العقاري والبنية التحتية، مدعومة ببيئة استثمارية نشطة وتدفقات رأسمالية مستمرة.