فن / عكاظ

علي الشرقاوي.. نخلة بحرينية باسقة بلحها شعر وحب

فرّق يوسف الحمدان في صحيفة «الأيام» البحرينية (20/6/) ما بين القصيدة الدرامية والقصيدة الغنائية فقال، إن الدراما نمط من التفكير يختلف عن ذلك التفكير الذي يكتنف القصيدة الغنائية، مضيفاً: «فإنْ كان الشاعر الغنائي يهدف إلى إطلاق صوته إلى أبعد مدى، فإن الشاعر الدرامي محكوم بأصوات أخرى تدعوه للدخول في حلبة الصراع. وقد يكون سبب تعلق القارئ بالقصيدة الغنائية وسر استمرارها على مدى العصور، هو أن المتلقي يحس فيها بالطرب والنشوة والراحة، أو الانفعال والحماس، لكنه في القصيدة الدرامية قد يقع في التناقض والحيرة فيجد نفسه أمام صراع رهيب متعب ومرهق للتفكير». ويواصل الحمدان ليؤكد، أن «كتابة الشعر في المسرح أو الدراما هي كتابة الفعل والحدث، وهي كتابة لا شك أنها صعبة وتختلف عن الكتابة الذاتوية كما في الأغنية». وبعبارة أخرى، يريد الكاتب أن يقول، إن الإبداع في الأغنية الدرامية له اشتراطات معينة ويتطلب مهارات وخبرات حياتية متراكمة، قد لا تتوفر إلا لمن عانى وقاسى وجرّب واكتوى وشاهد وعاصر وعاركته الحياة بحلوها ومرها.

ما سبق مجرد مدخل موجز لحديث مستطرد عن الشاعر علي الشرقاوي، الذي يعد نموذجاً وطنياً مكتنزاً بالأحاسيس والمشاعر الإنسانية، وصوتاً بحرينياً نقياً كنقاء مواطنيه البسطاء، وعلماً من أعلام الأغنية الدرامية والكتابة المسرحية في البحرين والخليج العربي، وصاحب تجربة طويلة في كتابة النصوص المسرحية والشعرية، ومخزناً للإبداع الحقيقي الفريد المستمد من موروث مجتمعه، ومفردات وطنه، وعبق تاريخ بلاده، وأصالة عادات وتقاليد ناسه.

ولعل خير ودليل على صحة ما نقول، هو الأغاني الدرامية الجميلة وكلمات «التترات» المعبرة التي زخرف بها الشرقاوي العديد من المسلسلات الدرامية البحرينية والخليجية، والنصوص المسرحية المتماسكة التي قدمت على مسارح البحرين، ولاسيما مسرح أوال، وهي أعمال اكتمل جمالها وسحرها وروعتها بمساهمات غنائية من الفنان خالد الشيخ، وإخراجية من المخرج الكبير أحمد يعقوب المقلة، وكتابية من المبدع راشد الجودر، وموسيقية من المايسترو مبارك النجم، وتعبيرية راقصة من الفنان محمد جاسم بن حربان.

قال عنه زميله الكاتب والناقد السينمائي والمسرحي البحريني أمين صالح: «أي‮ ‬حديث عن علي‮ ‬الشرقاوي،‮ ‬بالنسبة لي،‮ ‬هو حديث عن تجربة حياتية طويلة،‮ ‬تمتد جذورها إلى طفولة سديمية المعالم،‮ ‬تنتمي‮ ‬إلى حارة واحدة،‮ ‬مدرسة واحدة،‮ ‬وأحلام لا تحصى‮»، وأضاف: «لا ريشة تسعف المجازف برسم الصورة،‮ ‬ولا معجم‮ ‬يفي‮ ‬بالكشف عن جوهر الشخص‮.. علي‮ ‬الشرقاوي‮ ‬يظل عصياً‮ ‬على الإمساك‮، ‬لا لغموضه،‮ ‬لكن لتعدده».

ووصفه الكاتب وليد القاسمي في موقع «جهة الشعر» بأنه، «صاحب رؤية جميلة في‮ ‬شعره ومسرحه وقصته‮. ‬أحبّ‮ ‬العيش في‮ ‬لحظاته حتى عشق الدنيا والكون‮. ‬دائم الفخر بلغته العربية الفصيحة،‮ ‬إلا أن عشقه لناسه وأحبته جره للعامية وترنم فيها فغدا شعره متوجاً‮ ‬فيها بلا منازع‮. ‬أبدع في‮ ‬فنون لم‮ ‬يعرف الناس معنى لها،‮ ‬فحار النقاد فيها‮. ‬ولا‮ ‬يكاد‮ ‬يُؤسس لمحطة ثقافية أو شعرية أو‮ ‬غنائية إلا والشرقاوي‮ ‬حاضر فيها،‮ ‬وإلا كيف‮ ‬يُكتب لها النجاح؟».

وُلد «علي أحمد جاسم الشرقاوي» من رحم المعاناة والفقر بفريج الفاضل من المنامة في عام 1948، ونشأ في بيت والده صياد اللؤلؤ البسيط، لكنه بفضل الإصرار والإرادة أكمل تعليمه النظامي بمدارس البحرين، وحصل على شهادة في سنة 1967، ثم سافر إلى حيث واصل تعليمه إلى أن حصل على دبلوم «معهد البشري» ببغداد في عام 1971، وحصل بعد ذلك في عام 1981 على دورة تدريبية في فصار مؤهلاً لممارسة مهنة فني مختبر. وفي أحد المختبرات الطبية التقى صدفة بفتاة من وطنه هي الشاعرة «فتحية عجلان»، فجمع الحب وعشق الشعر بين قلبيهما، وراحا يتواصلان عبر الرسائل الورقية في زمن لم يكن الهاتف متاحاً، متحديين بذلك كل العقبات وتضاريس التقاليد والعادات الاجتماعية الصارمة، ثم تحديا معاً الرفض المتكرر من عائلتها على ارتباطهما وأجبراها على القبول، لتنتهي الحكاية بزواجهما وإنجاب بناتهما الثلاث (فيّ وفيض وفوز).

لا نبالغ لو قلنا، إن الشرقاوي وُلد وفي فمه ملعقة الشعر. فحينما كتب نبذة عن حياته ومسيرته قال إنه تولع بالشعر والأدب منذ أن كان في المرحلة الابتدائية، حيث كتب في تلك السن المبكرة كل ما كان يخطر على باله كطفل، ثم كتب في مرحلة مراهقته قصائد غير موزونة، وغنى بعضها مع رفاق طفولته وشيطنته وحركته الدائمة في «حوطة بوحيمد» بفريج الفاضل. لاحقاً عرف الأوزان الشعرية على يد معلم اللغة العربية الأردني عبدالحميد المحادين، فلم يستسغها، وانصرف عنها.

موهبته الشعرية والكتابية انطلقت ابتداءً من شغفه المبكر بالقراءة.. فقد كان يقرأ كل شيء يقع تحت يديه، بل كان ــ حسب اعترافه ــ يقفز أسوار بيوت الجيران ليسرق منها المجلات والصحف والكتب ليقرأ ما فيها خفية فوق سطوح منزله، قبل إعادتها إلى أصحابها وسرقة غيرها، ثم ليجتمع في ليالي تحت أحد أعمدة الكهرباء مع أقرانه الصغار ويحكي لهم القصص والحكايات التي قرأها، ويتبارى معهم في صناعة الجمل والعبارات، ويقود رفاقه إلى الغناء والرقص في منتصف رمضان للحصول على الحلوى والإكراميات من بيوت الموسرين.

وهكذا، من خلال ما كان يسرقه ويقرأه، تعرف الشرقاوي على القصائد الفصحى والعامية وأعلام الشعر والأدب في الخليج والعالم العربي مثل عمر بن أبي ربيعة المخزومي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم والمنفلوطي والعقاد وطه حسين وإيليا أبوماضي، ولاحقاً أعلام الشعر الغربي مثل لوركا ورامبو وبولدير. يقول الشرقاوي، عن تلك الحقبة من حياته، إنه كان يلتهم كل شيء ويكتب كل شيء، ويحاول أن ينشر في الصحافة المحلية، لكن مقالاته رُفضت مراراً وتكراراً، فأيقن أن عليه أن يصقل موهبته بالمزيد من القراءة والاستيعاب في مجالات الرواية والقصة والشعر والمسرح وعلم الاجتماع، علاوة على الاختلاط بمجايليه من الشعراء الشباب للاستفادة من تجاربهم، ففعل بإصرار وأناة إلى أن تحقق له مراده، وراحت أعماله تُنشر في عدد من المجلات كصوت الطلبة، والمسيرة، والطليعة الكويتية، والأضواء وصدى الأسبوع والبحرين اليوم. وكانت أول قصيدة موزونة كتبها (بعد أن تعلم الأوزان والعروض أثناء دراسته في بغداد)، هي قصيدة «عاشق » التي نشرتها له مجلة «هنا البحرين» في باب رسائل القراء.

في شبابه المبكر انحاز إلى الأفكار الأيديولوجية اليسارية الشائعة في مجتمعه آنذاك، وعشق شعاراتها المدغدغة للأحلام مثل المساواة والعدالة والاشتراكية والسلام والحرية، وراح يبرزها في كتاباته الأولى ويدافع عنها في قصائد ملتهبة معبرة عن موقف سياسي حاد ناقد للنظام السياسي ومنحاز للطبقة العاملة واليسار العالمي الحالم بالمجتمع الاشتراكي، ما أوقعه في المحظور، فكان نصيبه المعتقل الذي أمضى به أربع سنوات من عمره (من أغسطس 1975 إلى أغسطس 1979)، علاوة على زيارات قصيرة متكررة للمعتقل ما بين عامي 1971 و1974.

تلك السنوات الأربع الكئيبة من حياته، كانت كفيلة بزلزلة أفكاره ورؤاه وتصويبها، فحينما خرج من المعتقل كان شخصاً آخر يدرك أن الكون أفسح كثيراً مما آمن به من أفكار يسارية. وفي هذا السياق، كتب: «جلست طويلاً‮ ‬في‮ ‬السجن مع تجربتي‮ ‬الشعرية،‮ ‬ورأيت أن ما أكتبه ليس‮ سوى شعارات وطنية في‮ ‬ منظوم،‮ ‬يسمى قصيدة التفعيلة‮.‬ من هنا انفتحت أكثر على التيارات الشعرية المغايرة للمألوف والعادي‮ ‬والمكرر في‮ ‬العالم،‮ ‬تعايشت مع تجربة لوركا وزاملت رامبو ونادمت بودلير،‮ ‬ودخلت تثوير الجملة الشعرية عند أدونيس،‮ ‬ولعبت مع حيوانات سليم بركات». وبعبارة أخرى، كان للمعتقل تأثير واضح على الشرقاوي لجهة الابتعاد عن القصائد ذات الروح التقريرية المحرضة والمصطبغة بالتعبئة السياسية الحادة.

والحقيقة، أن التغيير الذي طرأ على صاحبنا ــ وكما قال بنفسه ــ كان « البحث في كثير من القضايا، منها على سبيل المثال أنني كنت أعتقد بأن لكل إنسان موهبة قد يكتشفها وقد لا يكتشفها، وبعد أكثر من 20 سنة عرفت أن هناك ما يُعرف بـ(الذكاء المتعدد)، بمعنى أن كل إنسان يمتلك موهبة، فلا يوجد شخص أفضل من آخر، أو لغة أفضل من أخرى. من هذه الرؤية، بالإضافة إلى علاقتي الأدبية بالشعر الصوفي، وجدت أن الصراعات الطبقية ليست محور التطور في العالم، إنما الإنسان عن معنى وجوده، والرسالة السامية التي يحملها، أي رسالة الأخوة الإنسانية، وهي التي تسهم في تطور العالم والمجتمع والإنسان».

ويعترف الشرقاوي بأن تجربته الشعرية مرت بمرحلة جنينية وثلاث محطات أساسية وتجربة رابعة ما زال يعيش فيها، فقد خرج من إطار قصيدة الموضوع إلى قصيدة الرؤيا، فكانت قصيدته «رؤيا الفتوح»، وهي قصيدة طويلة مغايرة لما كان يطرحه في تجاربه السابقة، ثم جاءت تجربة «تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة» (أدمج فيها تجربته الحياتية بتجربة ومعاناة الفنان الشعبي البحريني ضاحي بن وليد)، فـ«ذاكرة المواقد» (عن تاريخ الحركة الوطنية البحرينية)، و«واعرباه» (طرح فيها موقفه من الغزو العراقي للكويت). بعدها قرر الانتقال إلى أقاليم شعرية غير مطروقة وخلق عالمه الخاص عبر ابتكار شخصية متخيلة جسدها في «مخطوطات غيث بن البراعة»، ثم تجربة «كتاب الشين» التي حاول فيها الابتعاد عن كتابة الشعر، وصولاً إلى تجاربه الجديدة التي حاول من خلالها التواصل مع المطلق واعتبار الإنسان قطرة في محيط الأنوار الكونية والرغبة الكلية للانسجام مع ما هو موجود في الكون.

ريادة أدبية ومسرحية

انضم في مطلع السبعينات من القرن العشرين إلى «أسرة الأدباء والكتاب» في البحرين، فشارك في مختلف أنشطتها الأدبية والثقافية والفكرية، بل وترأس هيئة إدارتها لعدة دورات منذ العام 1980. وإبان ذلك انضم أيضاً إلى «مسرح أوال» كعضو من أجل إشباع شغفه بالأعمال والكتابة المسرحية، وبصفته شاعراً وأديباً بحرينياً شارك في العديد من الفعاليات الأدبية والمهرجانات الشعرية العربية مثل «المربد» و«جرش» و«الجنادرية» ومهرجان القاهرة الدولي للكتاب ومؤتمرات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب.

وهكذا نرى أن الشرقاوي، الذي بدأ في نشر نتاجه الشعري في عام 1968 من خلال الصحف والمجلات المحلية والعربية، يغدو واحداً من أشهر من أنجبتهم البحرين من الشعراء المهيمنين والمجددين في الشعر المحلي والفصيح والشعبي والموال وفي مجال المسرح الشعري والدراما الغنائية في المسلسلات التلفزيونية البحرينية مثل «ملفى الأجاويد» و«فرجان لوّل» و«حزاوي الدار» و«سعدون» وغيرها، بل وأيضاً في مجال أدب الأطفال، حيث كتب للأطفال عدة مسرحيات مثل «الفخ» و«بطوط» و«الأرانب الطيبة»، و«ثلاثية عذاري» و«مفتاح الخير»، وأصدر مجموعات شعرية للأطفال منها: «أغاني العصافير»، و«شجرة الأطفال»، و«قصائد الربيع»، و«الأرجوحة»، و«الأصابع»، و«أغاني الحكمة»، و«العائلة».

مسيرة شاعر عابر للحدود

لقد كبر فتى فريج الفاضل الفقير المشاغب والمولع بالسياسة والبحر، وأبدع بغزارة، حتى صار كزهرة دوار الشمس يتجه إلى حيث الضوء بتعبير أحدهم، وأصبح يُحتفى به في كل المحافل ومن على كل المنابر كشاعر ومثقف عربي عركته التجارب وصارعته الأحداث واستقى مهاراته من منابع فنية مختلفة بحكم تنقله ومعيشته في دبي والسعودية والعراق وبريطانيا، وصارت قصائده تترجم إلى الإنجليزية والألمانية والبلغارية والروسية والفرنسية والكردية والهندية.

على أن الشرقاوي، رغم كل هذا الألق، لا يزال ذلك الإنسان البسيط في ملبسه ومأكله وحياته وعلاقاته مع الآخر، وبعبارة الإعلامية والنائبة البحرينية زينب عبدالأمير: هو «أنيق كيفما لبس، وسيم مهما فعل، رياضي شايب يرتدي حذاء أديداس وجاكيتة بدلة رجل الأعمال وتي شيرت البرازيل».

ونختتم بالإشارة إلى أنه كتب كلمات أجمل ما غنى الفنان البحريني خالد الشيخ، وكذا كلمات أغانٍ جميلة لإبراهيم حبيب وعبدالكريم عبدالقادر وعبدالله الرويشد ومصطفى أحمد وعلي عبدالستار وحسين الجسمي وسميرة سعيد وغيرهم. كما كتب تترات كثيرة مثل: «ملفى الأجاويد»، «إذا طاح الجمل»، «سعدون»، «حزاوي الدار»، «برايحنا»، «مفتاح قفل»، «قديمك نديمك»، «بطران عايش يومه»، «طماشة»، «أهل الدار»، «هوى البحرين»، «المقاريد»، «دار الزين»، «أم هلال في القاهرة»، «سوالف أم هلال»، «عويشة»، «سرور»، «أولاد بوجاسم»، «البيت العود»، «غناوي بو متعب»، «غناوي المرتاحين»، «فرجان لوّل»، وغيرها.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا