تُعد لارا كروفت واحدة من أكثر الشخصيات أيقونية وشهرة في تاريخ ألعاب الفيديو. ومع اقترابها من عامها الثلاثين، خضعت الشخصية لعدة إعادة صياغة بصرية وروحية على مر السنين، بعضها أثار الجدل أكثر من غيره. والآن حان وقت التصنيف الحاسم لنسخ لارا كروفت المختلفة. لارا كروفت في فيلم Tomb Raider المُعاد إطلاقه الفيلم الذي قامت ببطولته أليسيا فيكاندر هو في جوهره إعادة إنتاج للجزء الأول من ثلاثية ريبوت Tomb Raider مع فصل ثالث يتطابق بشكل غريب مع الفصل الأخير من Uncharted: Drake’s Fortune. ابحث عنه وستجد أن الأمر صحيح، لكن ليس هذا ما يهمنا هنا. المؤسف أن المادة الأصلية حدّت كثيراً من قدرة فيكاندر – الموهوبة بلا شك – على التألق، إذ كان الهدف تقديم نسخة أكثر براءة وقلة خبرة من لارا. لكن النتيجة جاءت شخصية أكشن نمطية، باهتة، وأقل إمتاعاً من النسخة التي يعرفها الجمهور. الفيلم ليس كارثة، لكنه أيضاً ليس ممتعاً، ولا يقدّم أي شيء يميّزه عن المادة الأصلية التي كانت بالفعل تفتقر للحيوية، مما جعله غير قادر على إرضاء عشاق السلسلة أو جذب جمهور جديد. لارا كروفت في ثلاثية إعادة الإطلاق بعد أن تجاوزت مبيعاتها الجزأين الأصليين مجتمعين، تُعد لعبة Tomb Raider لعام 2013 أنجح إصدار في السلسلة. لكن هل شكّلت حقاً القمة التي وصلت إليها Tomb Raider؟ على الأرجح لا. المشكلة تكمن في شخصية لارا نفسها. فبدلاً من البطلة الواثقة والقوية التي عرفها الجمهور، حصلنا على شابة في العشرين من عمرها في قصة أصلية كان من المفترض أن تُظهر تطورها لتصبح الشخصية التي أحبها اللاعبون في الأجزاء القديمة، لكن هذا التطور لم يحدث أبداً. لارا الجديدة بدت شخصية مختلفة تماماً، لا تسير في الطريق الذي جعلها أيقونة، ولم تكن مثيرة أو ممتعة بالقدر الكافي. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذه الألعاب قدّمت الكثير من المتعة، فهي وإن كانت مختلفة جذرياً عن باقي السلسلة، إلا أنها لم تخفق في تقديم جرعات أكشن مسلية. لارا كروفت في The Last Revelation و Chronicles https://www.youtube.com/embed/PamoveF61ww?feature=oembed في هذين الجزأين، انتقلت لارا من مجرد مواجهة الأشرار المسلحين إلى قتل أشخاص عُزّل أحياناً بأسلوب قاسٍ. كانت لارا سابقاً تمثل التوازن المثالي: البطلة الباردة التي تنقذ العالم وتحقق مكاسب في الوقت نفسه. لكن في هذين الإصدارين، مال المطورون كثيراً نحو الجانب الأقل بطولية، مما أضعف صورتها. كما شهدت The Last Revelation أول تغيير بصري للشخصية، حيث ضُيّقت كتفاها، ما جعل النموذج يبدو أقل رشاقة من السابق. والغريب أن هذا التغيير لم يثر الكثير من الاعتراضات بين اللاعبين. لارا كروفت في نسخة نتفلكس https://www.youtube.com/embed/qi7dJ4FBDow?feature=oembed كان على السلسلة الأنميشن من Tomb Raider على نتفلكس أن تواجه تحدياً صعباً: دمج شخصية لارا كروفت من ثلاثية إعادة الإطلاق مع النسخة الكلاسيكية التي يعرفها الجمهور ويحبها. ورغم صعوبة المهمة، فقد نجح العمل بشكل لافت. صحيح أن العرض نفسه ليس مذهلاً، لكن لارا لم تكن السبب في ذلك إطلاقاً. الفريق الإبداعي استطاع الحفاظ على الجوانب الإنسانية التي أضافتها الثلاثية الحديثة، ثم عزّزها بجعل الشخصية أكثر مرحاً وخفة دم، لتظهر لارا هنا ممتعة بحق. لارا كروفت بأداء أنجلينا جولي حين أُعلن عن اختيار أنجلينا جولي لتجسيد شخصية لارا كروفت، عاش الإنترنت لحظة نادرة من الإجماع: الجميع كان واثقاً أنها ستتقن الدور. والنتيجة؟ كانوا على حق. من الشخصية إلى الجسد، جولي جسّدت كل ما يميز لارا وأضافت إليه بُعداً إنسانياً صادقاً ودافئاً، دون أن تخون برود الشخصية المعروفة. كانت بارعة لدرجة أن معظم الناس لا يتذكرون أن دانيال كريغ شارك في الفيلم الأول. وبغض النظر عن رأيك في الأفلام نفسها، فإن لارا لم تكن أبداً موضع اللوم هنا. لقد أعدت مشاهدة الجزء الأول مؤخراً، واكتشفت أنه أفضل بكثير مما كنت أتذكر. لارا كروفت في The Angel of Darkness رغم أن The Angel of Darkness تُعتبر الابنة السوداء لعائلة Tomb Raider، إلا أنها تستحق بعض التقدير لما قدّمته من صورة مختلفة للارا. هذه النسخة أكثر قتامة، لكنها ليست شريرة بشكل فج كما رأينا في TLR وChronicles. إنها نسخة أكثر عمقاً من الشخصية الأصلية، تُلقى في قصة مظلمة وقاسية، وهذا الجانب على الأقل نجح في إضفاء طابع مميز على اللعبة. لارا كروفت في الثلاثية الأصلية من منظور تاريخي، من العبث مقارنة لارا الأصلية بأي نسخة أخرى من الشخصية. يمكن القول إن الألعاب كانت شيئاً قبل ظهورها، وأصبحت شيئاً آخر بعدها. تأثير لارا تجاوز حدود صناعة الألعاب نفسها، لتصبح رمزاً ثقافياً عالمياً. لارا كروفت في نسختها الأولى هي النموذج المثالي لشخصية بطلة ألعاب الفيديو: شخصية لا تحتاج إلى الكثير من الكلام لتُظهر جوهرها، وشخصية يود أي لاعب أن يتبعها في أي مغامرة. وإذا كان هناك نسخة تستحق أن تُنسب إليها صفة “أيقونة ألعاب الفيديو الأكثر شهرة على الإطلاق”، فهي بلا شك هذه النسخة الأصلية. لارا كروفت في ثلاثية Legend أحد أبرز عناصر التسويق لـ Tomb Raider: Legend كان عودة مبتكر شخصية لارا، توبي غارد، للمرة الأولى منذ الجزء الأصلي، وقد أثمرت هذه العودة بالفعل. فقد نجحت اللعبة في تطوير الشخصية عبر منحها قوساً سردياً حقيقياً، وإضافة فريق تتفاعل معه. صحيح أن الكثيرين أحبوا إحساس العزلة الذي ميّز الأجزاء الأولى، حيث لم تكن لارا تملك مونولوجاً داخلياً وكانت بالكاد تتحدث إلا مع أعدائها قبل أن تطلق النار عليهم، لكن هنا للمرة الأولى نرى لارا تُظهر حباً حقيقياً لما تفعله، وهذا منح الشخصية دفئاً جديداً. إلى جانب ذلك، أعادت Legend تصميم لارا بطريقة حديثة مع الحفاظ على وفائها للشخصية الأصلية، ثم جاء Underworld ليُحسّن هذا التصميم أكثر، مما يمنح هذه الحقبة نقاطاً إضافية في سجل تطور أيقونة الألعاب. خاتمة: رحلة أيقونة صنعت التاريخ منذ ظهورها الأول في منتصف التسعينيات، لم تكن لارا كروفت مجرد بطلة لعبة فيديو، بل تحولت إلى رمز ثقافي عالمي. عبر الأجيال المختلفة، تغيّرت ملامحها البصرية وسلوكها السردي، بين البطلة الباردة التي لا تحتاج إلى كلمات لتُظهر قوتها، والنسخ الأكثر إنسانية التي حاولت إعادة تعريفها في سياقات جديدة. في بعض المراحل، مثل ثلاثية Legend أو نسخة Angelina Jolie السينمائية، نجحت لارا في الجمع بين الحداثة والوفاء لجذورها. وفي أخرى، مثل ثلاثية إعادة الإطلاق أو The Angel of Darkness، أثارت الجدل حول هويتها الحقيقية وما إذا كانت لا تزال تمثل الشخصية التي أحبها الجمهور. ومع ذلك، ظلّ جوهرها ثابتاً: مغامِرة لا تعرف الخوف، قادرة على أن تكون مرآة لتطور صناعة الألعاب نفسها. اليوم، وبعد ثلاثة عقود تقريباً، تبقى لارا كروفت المثال الأوضح على كيف يمكن لشخصية واحدة أن تتجاوز حدود الشاشة لتصبح جزءاً من الثقافة الشعبية العالمية. تطورها ليس مجرد تغيّر في التصميم أو السرد، بل انعكاس لمسيرة الألعاب نفسها، من بداياتها البسيطة إلى طموحاتها السينمائية الكبرى. كاتب أعشق ألعاب الفيديو منذ أيام جهاز العائلة، و أفضل ألعاب المغامرات أمثال Tomb Raider و Assassins Creed (قبل التحول للـRPG)، ليس لدي تحيز لأي جهاز منزلي بالنسبة لي الأفضل هو الذي يقدم الألعاب الأكثر تميزاً. ما يهمني هو التجارب ذات السرد القصصي المشوق فالقصة هي أساس المتعة أكثر من الجيمبلاي.