بقلم: د. أسماء نوير(دكتوراه في فلسفة الذكاء الاصطناعي) لم يعد حضور الأنظمة الروبوتية في الفضاء المنزلي ضربًا من الخيال التقني أو ترفًا استهلاكيًا محضًا، بل بات احتمالًا واقعيًا يفرض نفسه في سياق تزايد الاعتماد على الأنظمة الذكية المدمجة (Embedded Intelligent Systems) داخل البنية اليومية للحياة. فالمنزل، بوصفه وحدة اجتماعية–قيمية مغلقة نسبيًا، لم يعد معزولًا عن منطق الأتمتة (Automation) والخوارزميات (Algorithms) والاتصال الشبكي الدائم.ومع هذا الامتداد، يبرز تساؤل جوهري: هل تمثل الروبوتات المنزلية في السياق المصري رفاهية مستقبلية ذات طابع استعراضي، أم أنها ضرورة واقعية تمليها اعتبارات اجتماعية واقتصادية وأمنية وأخلاقية متشابكة؟. يقتضي تناول هذا التساؤل اعتماد مقاربة تحليلية متعددة الأبعاد، تستوعب المحددات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والاقتصادية، وتتحرر من النزعة الردية التي تحصر الظاهرة في بعدها التقني الصرف. فالروبوت المنزلي لا يمكن النظر إليه بوصفه أداة تشغيلية فحسب، بل بوصفه فاعلًا تقنيًا (Technological Agent) يندرج ضمن شبكة من العلاقات المعيارية والمؤسسية، ويسهم في إعادة توزيع الأدوار داخل المجال الخاص، مع ما يترتب على ذلك من إعادة صياغة لمفاهيم العمل والرعاية والخصوصية والمسؤولية. أولًا: الروبوت المنزلي وإعادة تشكيل البنية الاجتماعية للأسرة ترتبط مسألة إدماج الروبوتات في الفضاء المنزلي المصري بالبنية الأسرية (Family Structure) وبأنماط توزيع الأدوار الجندرية (Gender Role Distribution)، حيث ظل جانب معتبر من العمل المنزلي مقترنًا تاريخيًا بتقسيم معياري للعمل، وخاصًة فيما يتعلق بأعمال الرعاية غير المدفوعة (Unpaid Care Work). إن إدخال الروبوتات المنزلية—في مجالات التنظيف أو الرعاية أو الدعم اليومي—لا يمثل مجرد إضافة وظيفية، بل يفتح أفقًا لإعادة توزيع عبء العمل داخل الأسرة، بما قد يعيد تشكيل توازنات السلطة والمسؤولية وأنماط الاعتماد المتبادل بين أفرادها، ويؤثر في البنية الداخلية للعلاقات الأسرية على المستويين الرمزي والعملي. غير أن المسألة لا تنحصر في البعد الوظيفي للتقنية؛ فالمنزل في الثقافة المصرية لا يُختزل في كونه حيّزًا ماديًا، بل يُعد مجالًا ذا دلالة رمزية وقيمية، يقوم على مفهوم الخصوصية (Privacy) بوصفها قيمة اجتماعية وأخلاقية راسخة. ومن ثمّ، فإن إدخال روبوتات مزودة بأنظمة استشعار (Sensors) وكاميرات ومعالجات بيانات إلى هذا الفضاء يثير إشكاليات تتعلق بإعادة تحديد حدود المجال الخاص، وبالفصل بين الداخل والخارج، في سياق اتصال شبكي دائم يُعرف بالمنزل المتصل (Networked Domesticity). فحضور هذه الأنظمة لا يضيف وظيفة تقنية فحسب، بل يعيد صياغة العلاقة بين الخصوصية والتكنولوجيا داخل المجال المنزلي. كما تُعد العلاقة التفاعلية بين الإنسان والروبوت (Human–Robot Interaction, HRI) عنصرًا مؤثرًا في تشكيل أنماط التنشئة الاجتماعية (Socialization)، وخاصة في البيئات الأسرية التي تتضمن حضورًا دائمًا لتقنيات ذكية. فوجود روبوتات تعليمية أو تفاعلية موجهة للأطفال قد يسهم في إعادة تشكيل آليات اكتساب المهارات العاطفية (Emotional Skills) والقدرات التواصلية، سواء من خلال المحاكاة السلوكية أو أنماط الاستجابة المبرمجة. ويثير ذلك تساؤلًا تحليليًا حول حدود الاعتماد التقني (Technological Dependency)، ومدى تأثيره في بنية التفاعل الإنساني داخل الأسرة، وفي طبيعة الروابط القائمة على التعاطف المتبادل والتواصل المباشر. ثانيًا: البعد السياسي: السيادة الرقمية في المجال المنزلي يحمل انتشار الروبوتات المنزلية أبعادًا سياسية تتصل بمسألة السيادة الرقمية (Digital Sovereignty). فإذا كانت هذه الأنظمة تعتمد على برمجيات وخوادم خارجية، فإن البيانات المنزلية – بما تتضمنه من أنماط سلوك واستهلاك – قد تصبح جزءًا من تدفقات معلومات عابرة للحدود، وهو ما يضع الدولة أمام تحديات تتعلق بحوكمة البيانات (Data Governance) والأمن السيبراني (Cybersecurity). تطرح الروبوتات المنزلية إشكالية تتعلق بمدى كفاية الإطار التنظيمي (Regulatory Framework) الحاكم لاستخدام التقنيات الذكية داخل المجال الخاص. إذ إن غياب قواعد قانونية دقيقة تُحدِّد نطاق مسؤولية المُصنِّع أو المُطوِّر عند وقوع ضرر مادي أو انتهاك للخصوصية من شأنه أن يُنتج حالة من الفراغ التشريعي وعدم اليقين القانوني. وعليه، فإن إدماج الروبوتات في الفضاء المنزلي يظل رهينًا بقدرة البنية القانونية على استيعاب مفهوم “الفاعل التقني” بوصفه عنصرًا مؤثرًا داخل المجال الخاص، وبإعادة ضبط معايير المساءلة بما يتلاءم مع طبيعة الأنظمة شبه المستقلة. يمكن كذلك إدراج الروبوتات المنزلية ضمن إطار سياسات الابتكار الوطني (National Innovation Policy)، باعتبارها مكوّنًا من مكوّنات البنية التكنولوجية التي تسعى الدولة إلى تطويرها وتعزيزها. فاعتماد استراتيجيات لدعم الصناعة الروبوتية المحلية، أو توجيه الاستثمار نحو البحث في الذكاء الاصطناعي، لا يعكس مجرد توجه تقني، بل يكشف عن تصور سياسي لدور التكنولوجيا في تنظيم المجال الاجتماعي وإعادة تشكيل أنماط الإنتاج والخدمة داخل المجتمع. وعلى هذا الأساس، فإن مسألة الروبوتات المنزلية تتجاوز بعدها الاستهلاكي المباشر، لتندرج ضمن اختيارات استراتيجية بعيدة المدى، تتعلق بتحديد موقع الدولة في الاقتصاد الرقمي (Digital Economy)، وبناء قدراتها التنافسية، وصياغة نموذجها الخاص في إدارة العلاقة بين التكنولوجيا والبنية الاجتماعية. ثالثًا: أخلاقيات الروبوتات المنزلية تستدعي الروبوتات المنزلية معالجة دقيقة لمسألة المسؤولية الأخلاقية (Moral Responsibility)، خاصًة في الحالات التي يترتب فيها على أدائها ضرر مادي أو معنوي. إذ يثور تساؤل حول الجهة التي تُنسب إليها المسؤولية: أهي المستخدم بوصفه صاحب القرار التشغيلي، أم المُصمِّم والمُطوِّر بحكم التحكم في البنية الخوارزمية، أم النظام ذاته بوصفه يتمتع بدرجة من الاستقلال التشغيلي (Operational Autonomy)؟ وتندرج هذه الإشكالية ضمن النقاش الأوسع حول حدود الفاعلية التقنية (Technological Agency)، وما إذا كان يمكن إسناد شكل من أشكال المساءلة إلى كيان غير بشري يعمل وفق نماذج حسابية معقدة.وترتبط هذه المسألة كذلك بمفهوم الخصوصية المعلوماتية (Informational Privacy)، نظرًا إلى أن الروبوتات المتصلة بالشبكات تقوم بجمع ومعالجة بيانات دقيقة تتعلق بأنماط الحياة اليومية داخل المجال المنزلي. وهو ما يثير احتمالات المراقبة (Surveillance) أو توظيف البيانات في سياقات تجارية دون ضبط كافٍ. ومن ثمّ، يغدو إدخال هذه الأنظمة إلى الفضاء الخاص مسألة أخلاقية تتصل بصون الكرامة الإنسانية (Human Dignity) وضمان مبدأ الموافقة المستنيرة، بوصفه شرطًا أساسًا لأي استخدام مشروع للبيانات الشخصية. كما يثير انتشار روبوتات الرعاية، وخاصًة الموجهة إلى كبار السن، تساؤلًا فلسفيًا حول طبيعة الرعاية الإنسانية ذاتها، فهل يمكن لأنظمة المحاكاة الانفعالية أن تؤدي وظيفة الرعاية بما تحمله من أبعاد وجدانية وتضامنية؟ أم أن إحلال الوسيط التقني محل التفاعل البشري قد يفضي إلى نمط من التشييء العاطفي (Emotional Objectification)، تُختزل فيه العلاقة إلى استجابة مبرمجة؟ إن البعد الأخلاقي هنا يتجاوز تقييم الكفاءة العملية، ليطال القيمة المعيارية للعلاقة الإنسانية بوصفها غاية في ذاتها، لا مجرد وسيلة أداء. رابعًا: اقتصاد الروبوتات المنزلية وإشكالية التفاوت الرقمي من المنظور الاقتصادي، يرتبط انتشار الروبوتات المنزلية بشكل وثيق بمستوى الدخل الأسري (Household Income) وتوزيع الثروة داخل المجتمع فارتفاع تكلفة اقتناء هذه الأنظمة يجعلها في مراحلها الأولى متاحة لفئات محدودة، مما قد يؤدي إلى تعميق الفجوة الرقمية (Digital Divide) بين الطبقات المختلفة، ومن ثم يتحدد تصنيف هذه التكنولوجيا على أنها رفاهية أو ضرورة وفق الموقع الاجتماعي والاقتصادي للمستخدمين. في الوقت نفسه، تمتلك الروبوتات المنزلية القدرة على خفض التكاليف طويلة الأجل لبعض الخدمات، خاصًة في مجالات الرعاية المنزلية والأمن، وهو ما يستدعي إعادة تقييم الحسابات الاقتصادية من منظور التكلفة–العائد. كما يتيح إدخال هذه الأنظمة ظهور أسواق محلية جديدة للصيانة والتطوير، بما يعزز نمو قطاع الاقتصاد الرقمي (Digital Economy) ويحفز الابتكار المحلي. ومع ذلك، فإن الأثر الاقتصادي لا يقتصر على المستهلك وحده؛ إذ يمتد إلى سوق العمل (Labor Market)، خاصة فيما يتعلق بالأعمال المنزلية المدفوعة، إذ يمكن أن يؤدي إدخال الأتمتة إلى إعادة تشكيل الطلب على بعض المهن التقليدية، ما يستلزم تبني سياسات لإعادة التأهيل المهني وتطوير المهارات الرقمية لضمان تكيف القوى العاملة مع المتغيرات التكنولوجية المستقبلية. وفي النهاية، يتحدد ما إذا كانت الروبوتات المنزلية في مصر رفاهية مستقبلية أم ضرورة عملية وفق مدى إدماجها في الهياكل المؤسسية والثقافية القائمة، ففي حال وجود إطار تشريعي واضح، وسياسات متينة لحماية البيانات، وإتاحة اقتصادية أوسع، يمكن لهذه التقنيات أن تصبح أدوات فعّالة تعزز جودة الحياة (Quality of Life) وتدعم الوظائف الأسرية والاجتماعية. أما إذا ظلت مقتصرة في البُعد الاستهلاكي الضيق، دون النظر في أبعادها الاجتماعية والأخلاقية، فستبقى مجرد رمز للحداثة التقنية محدود التأثير والفائدة.وعليه، لا يكمن المستقبل في مجرد وجود الروبوت أو توافره، بل في كيفية تنظيم حضوره داخل الفضاء المنزلي، وفي قدرة المجتمع على موازنة الكفاءة التقنية مع القيم الإنسانية والرمزية التي تمنح المنزل مكانته بوصفه فضاءً للعيش المشترك، لا مجرد منصة لتشغيل الآلات الذكية. إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع."جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"