اختطاف أمريكا رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس يوم الثالث من شهر يناير من العام الجديد (2026)، واختطاف ناقلة نفط صينية ترفع علم بنما في اليوم السادس منه، بهدف منع تجارة النفط مع الدول التي فرضت عليها واشنطن عقوبات، وما تلا ذلك في اليوم التالي من صعود قوات خفر السواحل وقوات العمليات الخاصة التابعة للجيش الأمريكي على متن ناقلتي نفط في المحيط الأطلسي، إحداهما ترفع العلم الروسي، تحمل اسم»مارينيرا» – يعني أن العام الجديد استهل صفحته الأولى بوضع النفط على صفيح ساخن، ستتلوها صفحات ساخنة يمكن أن تضع النفط في مصاف سلعتي الذهب والفضة اللتين اختطفتا الأضواء في الشهور الثلاثة الأخيرة – ومازالتا – في البحر الهادر للعلاقات الاقتصادية الدولية.رداً على حرب الرسوم الجمركية التي شنها الرئيس الأمريكي ترامب ضد الصين، قامت الصين بشن حرب غير معلنة ضد الولايات المتحدة تستهدف حرمانها من المعادن الأرضية النادرة التي تدخل في صناعات الاقتصاد الجديد الحيوية. والآن تريد الولايات المتحدة خنق الصين نفطياً من خلال السيطرة على صادرات البلدان التي تستورد منها الصين النفط. بدأت العملية بفنزويلا، تلتها محاولة أكثر جرأة وخطورة للفوز بكامل إنتاج النفط الإيراني البالغ حوالي 4.7 مليون برميل يومياً (قابلة للزيادة في حال تم توفير المال لتطوير الحقول التي تأثرت بالعقوبات الأمريكية والأوروبية).الصين تستورد يومياً ما بين 11 مليوناً و12 مليون برميل يومياً (بيانات شهر نوفمبر 2025، أشارت إلى استيرادها 12.4 مليون برميل يومياً) بشكل أساسي من روسيا والمملكة العربية السعودية وماليزيا وإيران. من إيران تستورد ما بين 1.5 إلى أقل قليلاً من 2 مليون برميل يومياً (بلغت الواردات النفطية الصينية من إيران ذروتها في مارس 2025)، أي ما يشكل حوالي 90% من صادرات النفط الإيراني. من فنزويلا استوردت الصين نحو 400 ألف برميل يومياً العام الماضي، وفقاً لبيانات جمعتها شركة الاستخبارات «كيبلر»، أو ما يشكل حوالي 40% من إجمالي صادرات النفط الخام الفنزويلي.أي أن الصين يمكن أن تفقد حوالي 2.3 مليون برميل يومياً من احتياجاتها النفطية. وهذه الكمية لا ترقى لمستوى ورقة الابتزاز الاقتصادي التي يعول عليها الرئيس دونالد ترامب وفريقه الحاكم. فالصين تستطيع تعويض هذه الكمية من أسواق أخرى مثل العراق وروسيا وكولومبيا، وكندا أيضاً، حيث تعتبر الأنواع الكندية مثل كولد ليك وأكسس ويسترن بلند، بدائل جيدة للنفط الفنزويلي. وبالفعل شرعت الصين في التفاوض مع كندا لتعويض النفط الفنزويلي بالنفط الكندي. كما أن كولومبيا تمتلك احتياطيات وإنتاجاً كبيراً من النفط الخام الثقيل، لا سيما من حوض يانوس الذي يضم حقولاً رئيسية مثل روبياليس وكاستيلا، والتي تُساهم في إنتاج أنواع تصديرية رئيسية مثل كاستيلا بلند.في أسوأ السيناريوهات، تستطيع الصين تفعيل ميكانيزماتها الداخلية الخاصة بكفاءة استخدام الطاقة(Energy efficiency) وسياسة حفظ الطاقة “Energy conservation”، وتسريع مشاريع إحلال الطاقة المتجددة (طاقة الرياح والطاقة الشمسية خصوصاً)، محل مصادر الطاقة التقليدية(Conventional energy sources)، إلى جانب الطاقة النووية التي تسجل فتوحات غير مسبوقة في مجال إنتاج المفاعلات العصرية.الصين، من جانبها، أعادت تذكير الولايات المتحدة بلعبة البينغ بونغ بينهما، إنما بصورة معاكسة لما أسهمت به اللعبة في كسر جمود العلاقات بينهما في عام 1971، إذ ردت بحزمة من الإجراءات، شملت رفع دعوى إلى لجنة الأمم المتحدة لقانون البحار (UNSCLO)، تطالب أمريكا بتعويضات قدرها ملياري دولار عن خطف ومصادرة نفطها، وفرض عقوبات على 20 شركة أمريكية لصناعة الأسلحة لمنعها من الوصول إلى إمدادات العناصر الأرضية النادرة، وهي الشركات الأكثر احتياجاً لهذه العناصر، وإلغاء طلبات المنتجات الزراعية لتقويض الدعم الذي يحظى به الرئيس ترامب في الولايات الزراعية (آيوا، نبراسكا، تكساس، كانساس، إلينوي، مينيسوتا، ويسكونسن، وإنديانا)، ومواصلة بيع السندات الأمريكية لزيادة إضعاف قدرة الولايات المتحدة على تمويل ديونها، ومواصلة تقويض استخدام الدولار الأمريكي في تجارة النفط (الآن 85% من واردات النفط الصينية تتم باليوان الصيني)، وفرض رسوم إضافية بنسبة 25% على أي شركة شحن تمتلك فيها الولايات المتحدة حصة تزيد على 25%. اختطاف أمريكا لناقلات النفط رفع فواتير التأمين على الشحن البحري، ما سمح للصين بالتعاون مع الدول المتضررة لإنشاء صندوق تأمين جديد لجذب العديد من شركات الشحن. تريد الصين إعادة تشكيل المشهد المالي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة لفترة طويلة، وهو ما يتبدى تراجعاً مستمراً في الطلب على الدولار الأمريكي، ويدفع الولايات المتحدة للقيام بأعمال طائشة، منها اختطاف ناقلات النفط.* خبير بحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية