كتبت هند مختار الأربعاء، 18 فبراير 2026 11:04 ص في إطار سعي مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، نحو رفع الوعي المجتمعي ونشر المعرفة في مختلف الموضوعات ذات الصلة بقضايا التنمية، يقوم المركز دوريًا باستكتاب نخبة من المسؤولين والخبراء والمتخصصين في مختلف المجالات والقضايا ذات الأهمية للشأن المصري سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي ونشر هذه المقالات والكلمات داخل إصداراته الدورية، وفى هذا الصدد قام المركز بنشر مقال للأستاذ الدكتور محمود محي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة وأستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، داخل العدد السادس من إصدارة المركز الدورية "آفاق مستقبلية"، وجاء المقال تحت عنوان "مستقبل الاقتصاد العالمي: دروب في رحلة البحث عن نظام جديد". أوضح الدكتور محمود محي الدين خلال المقال أن تقارير المؤسسات المالية الدولية بما في ذلك مؤسستا بريتون وودز - صندوق النقد الدولي والبنك الدولي- اشتركت في تقدير أن الاقتصاد العالمي قد أظهر قدرة على التحمل في مواجهة حالة اللايقين ومربكات التجارة الدولية بفعل إجراءات التعريفة الجمركية التي تتبناها الإدارة الأمريكية الحالية التي ستنتهي ولايتها في عام ۲۰۲۸، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي نموًا حقيقيًا للاقتصاد العالمي بمقدار 3.3% وقد رفع تقديره للنمو بمقدار 0.2 نقطة مئوية مقارنًة بتقديراته في أكتوبر ۲۰۲٤، ويأتي التحسن من الولايات المتحدة والصين. ويُعزى هذا التحسن وفقا لصندوق النقد الدولي إلى إجراءات التحفيز المالي، ومناورات موفقة للقطاع الخاص في تعامله مع معوقات التجارة المستجدة، وتحسن في السياسات العامة المتبعة في البلدان ذات الأسواق الناشئة، ورغم خفوت النمو في قطاع الصناعات التحويلية في البلدان الأغنى فإن الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات قد تصاعد نصيبه في الناتج الاقتصادي خاصة في الولايات المتحدة، مع إسهام إيجابي للصادرات التكنولوجية الآسيوية. ومع اشتراك البنك الدولي في وصفه للاقتصاد العالمي بقدرات اعتبرها مفاجئة على الصمود والتصدي للصدمات منذ الجائحة وما تلاها من حروب وصراعات إلا أن تقديره للنمو الاقتصادي العالمي كان أقل من توقعات صندوق النقد الدولي بعدم تجاوز معدله ٢,٦%، إذ يتوقع أن العوامل التي ساندت صموده سيتراجع أثرها حيث ستنخفض قدرة الشركات على تراكم المخزون الذي تتحوط به ضد الصدمات التجارية، بينما تبدأ التعريفة الجمركية المرتفعة في تفعيل آثارها السلبية مع تباين بين الأقاليم الاقتصادية والبلدان المختلفة من حيث الأداء، وبالتالي فإن المخاطر المحدقة بمستقبل الاقتصاد العالمي في الأجل القصير ستميل بنموه نحو الانخفاض، وإذا ما زادت حدة الحروب التجارية وارتفعت عوائقها وتبدل شعور المستثمرين إلى سلبية التوقعات مع انخفاض للبورصات المالية، مع تزايد القلق تجاه سلامة الموازنات العامة بارتفاع للديون العامة، فإن تقديرات النمو ستزداد انخفاضًا. وأشار الدكتور محمود محيي الدين في مقاله إلى أن تقرير آفاق الاقتصاد العالمي للبنك الدولي يربط احتمالات ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي العالمي، بتوسع الأثر الإيجابي الصافي للذكاء الاصطناعي على الأنشطة الاقتصادية، وبزيادة قدرات الشركات على التوافق مع التقلبات التجارية وهو ما لا توجد إشارات لحدوثه، ويناشد البنك الدولي صناع القرار ببذل جهود لتحسين مناخ التجارة الدولية، وتخفيض قيود التمويل، ومواجهة مخاطر تغيرات المناخ، وذلك أيضًا لا يوجد أي مؤشرات للاستجابة له. وفي ظل هذه التطورات القائمة ومعدلات النمو المتوقعة فإن أداء الاقتصاد العالمي العام لا يساند تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي تقترب من خط نهايتها في خلال خمس سنوات مع حلول عام ۲۰۳۰، فمنذ عام ٢٠٢٠ تراجعت متوسطات معدلات النمو بما لا يسمح بتخفيض مستويات الفقر أو زيادة معدلات التشغيل للباحثين عن عمل لائق، فمعدلات النمو المنخفضة الحالية مقارنة بما كانت عليه في التسعينيات من القرن الماضي وحتى الأزمة المالية العالمية لن تفلح في تخفيض الفقر المدقع، على عكس ما حدث من انتشال لما يقترب من مليار إنسان من هوة الفقر المدقع في مرحلة النمو المرتفع، كما أن النمو المتحقق تجده متفاوتًا بين القطاعات والأقاليم وداخل البلدان المختلفة وبين بعضها البعض، فأداء النمو المعاصر مسؤول عن التباين بين الأقل دخلًا والأعلى دخلًا بين البلدان النامية والبلدان المتقدمة. وينسب البنك الدولي أكثر من نصف معدلات النمو المتحققة في متوسطات الدخول منذ الجائحة في عام ۲۰۱۹، والتي تبلغ زيادتها ١٠%، إلى أداء الدول الأغنى، فمع نهاية عام ٢٠٢٦ سيكون متوسط دخل الفرد في البلدان النامية نحو ٦٥٠٠ دولار، بما يعادل 12% من متوسط الدخل في البلدان المتقدمة الأعلى دخلًا، بينما متوسط دخل الفرد في البلدان الأقل دخلًا، الذي يبلغ ۷۰۰ دولار، لا يتجاوز 1% من متوسطات الدخل في البلدان المتقدمة. أوضح مقال الدكتور محمود محي الدين أنه يمكن الإمعان في المخاطر المرتقبة والتحسب لها مع اغتنام الفرص السانحة بسياسات محكمة، إذ يمكن الاسترشاد بتقارير أعدتها عدة مؤسسات دأبت على إصدارها مع نهاية عام وبداية آخر، ولا ينبغي التعامل مع هذه التقارير إلا باعتبارها مستشرفة لمستقبل ينبغي الاستعداد له، ويمكن الاسترشاد بأربعة تقارير، الأول من إعداد مؤسسة "أكسا" وهي إحدى مؤسسات التأمين العالمية وهي كمثيلاتها في قطاع التأمين لا تكتفي برصد وتصنيف المخاطر وإنما تسعرها، والتقرير الثاني من إعداد مجلة "فورين بوليسي"، ويصدر سنويًا منذ عام ۲۰۱۷، والتقرير الثالث لمجموعة "يوراسيا" التي يقودها المحلل السياسي إيان بريمر، أما التقرير الرابع والأخير والذي يصدر سنويًا منذ عقدين، فهو مسح لمدركات المخاطر العالمية لـ "المنتدى الاقتصادي العالمي"، وقد تجمعت التقارير الدولية على تصاعد المخاطر الجيوسياسية والجيواقتصادية والتكنولوجية والمناخية بما ينذر بعالم أكثر اضطرابًا وأقل قابلية للتنبؤ مع تراجع قدرة النظام الدولي على الاحتواء. تلاحظ من التقارير الأربعة السابقة تكرار ذكر الصراعات الجيوسياسية وتصاعد المخاطر الجيواقتصادية وقد صاحب هذا عودة للسياسات الحمائية والانعزالية الاقتصادية، ومن الخطأ نسب الإجراءات الحمائية الجديدة بزيادة التعريفة الجمركية وفرض القيود التجارية لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومن الخطأ أيضًا توقع نهايتها بانقضاء فترة حكمه فعلى مدار سنوات سابقة لحكمه حتى في فترته الأولى شهد العالم تصاعدًا في استخدام قيود التجارة والاستثمار منذ الأزمة المالية العالمية، شهدت بها تقارير دولية عن تفتيت الاقتصاد العالمي، فقد فرضت قيود على التجارة العالمية بعد الأزمة المالية العالمية في ۲۰۰۸ لا يزال الكثير منها ساريًا، ووجدنا تزايدًا لها بذريعة الحماية من تغيرات المناخ تارة وبممارسات الدول المتقدمة وتكتلاتها وباتباعها لسياسات صناعية مدفوعة باعتبارات حمائية وتخوف من فقدانها السبق في مجالات التكنولوجيا المتقدمة تارة أخرى، ثم أتت أزمة الجائحة والحرب الروسية - الأوكرانية بقيود أخرى على التجارة والتمويل والاستثمار. أوضح الدكتور محمود محي الدين أن منطقتنا منكشفة للمخاطر بنسب متفاوتة وإن بعدت في بعض الأحوال مراكز حدوثها وأخص من الأولويات أمن المياه خاصة مع تغيرات المناخ، وأمن الطاقة وأسعارها وتحديدًا فيما يتعلق بالصراعات والارتجال في إجراءات التحول غير العادل للطاقة والصراعات الجيوسياسية القديمة والمستجدة التي تعاني منها منطقتنا، وتداعيات الأزمات الاقتصادية والمالية بما في ذلك حدة أثر ارتفاع الديون وتكاليف خدمتها، أما فيما لم تذكره التقارير صراحًة، وإن ارتبط بالطاقة والمياه والصراعات الجيوسياسية المذكورة فهو الأمن الغذائي. وأكد أنه على الرغم من التحديات في محيطنا فلا ينبغي إغفال التعاون الإقليمي بين دول الجوار الجغرافي أو فيما يتجاوز القرب الجغرافي الملاصق، بفعل تيسير سبل النقل والسفر بما يحقق زيادة في التجارة البينية الإقليمية، مع زيادة مخاطر الحروب التجارية العالمية، كما يزيد من فرص الاستثمار خاصة في ضوء ما تفرضه بلدان متقدمة من قيود على الاستثمارات الأجنبية، كما يمنح مجالات لانتقال العمالة المنظمة وتبادل الخبرات، ولكن يظل أهم ما يستوجبه هذا "الواقع الجديد" هو اتباع نهج براجماتي ومبدئي في الوقت ذاته طالما أكدت عليه، يرتكز على توطين التنمية بكافة ما هو متاح من سبل وممكنات، وتنسيق السياسات العامة وضبط أدائها وفقًا لقواعد ملزمة تبدأ بوحدة وشمول الموازنة العامة، وتطوير أداء السياسة النقدية بالاحتكام لإطار استهداف التضخم، ويجب أن يتوافق هذا مع أولويات تحقيق تنافسية الاقتصاد المحلي بالقطاعات الإنتاجية والخدمية. وأوضح المقال في ختامه أنه لدينا الفرص الكبرى بفضل الزخم البشري والتركيبة السكانية الشبابية، وما تتمتع به البلاد من أمن وتطور في البنية الأساسية بما يستلزم الاستعانة بهذه العوامل جميعًا للدفع بتكنولوجيا التحول الرقمي والاقتصاد الأخضر لتحقيق التنمية المستدامة والتقدم المنشود والعمل المطلوب يستدعي الاجتهاد في التنفيذ بتحصين نظام الدولة من داخلها باحترام العلم وسيادة القانون وحماية الحقوق وسد منافذ الخلل وعلاج الاختلالات.