مع حلول شهر رمضان المبارك، تتجدد في نفوس المسلمين مشاعر الإيمان والروحانية، ويتهيأ الجميع لأداء فريضة الصيام التي تُعد من أعظم العبادات وأجلّها. ورغم أن الصيام يقوم أساساً على الامتناع عن الطعام والشراب لساعات طويلة، إلا أن تأثيره الصحي يختلف من شخص لآخر، خصوصاً لدى المرضى الذين تتطلب حالاتهم الصحية عناية خاصة وتوازناً دقيقاً بين أداء العبادة والحفاظ على سلامتهم. ويؤكد الأطباء أن الصيام مع وجود المرض ليس أمراً مستحيلاً، لكنه يحتاج إلى تقييم دقيق للحالة الصحية، فلكل مرض طبيعته الخاصة، ولكل دواء توقيته الذي قد لا يحتمل التأجيل. ولهذا يشدد المختصون على ضرورة استشارة الطبيب قبل بدء الصيام؛ لضمان اتخاذ القرار الصحيح الذي يجمع بين الأجر وحفظ النفس. فوائد صحية محتملة للصيام.. ولكن بشروط في حديثه لـ«عكاظ»، أوضح استشاري الغدد الصماء والسكري والسمنة رئيس قسم الغدد بمدينة الأمير سلطان الطبية العسكرية بالرياض الدكتور وائل الزهراني، أن الصيام في رمضان قد يحقق فوائد صحية مهمة إذا تم بطريقة متوازنة ومدروسة. ومن أبرز هذه الفوائد -كما ذكر- تحسين حساسية الإنسولين وتقليل مقاومته، والمساهمة في خفض الوزن عند الاعتدال في تناول الطعام، إضافة إلى تحسين بعض مؤشرات الدهون الثلاثية وتنظيم مواعيد الوجبات والسلوك الغذائي. وأشار الزهراني إلى أن هذه الفوائد لا تتحقق تلقائياً، بل تعتمد على نوعية الغذاء المتناول، وكمية السعرات الحرارية، ومستوى النشاط البدني، ومدى ضبط الأمراض المزمنة. الصيام بين الممكن والممنوع استشاري الغدد الصماء والسكري الدكتور الزهراني أوضح أن المرضى المصابين بأمراض مزمنة يمكنهم الصيام إذا كانت حالتهم مستقرة، وذلك بعد تعديل جرعات الأدوية بالتنسيق مع الطبيب، خصوصاً مرضى السكري. بينما يُنصح بعدم الصيام في حالات السكري غير المنضبط أو عند وجود مضاعفات حادة، مع ضرورة كسر الصيام فوراً عند حدوث هبوط شديد في السكر أو ارتفاع خطير. أما بالنسبة لمرضى ضغط الدم وأمراض القلب، فأكد أن معظم المرضى المستقرين يمكنهم الصيام بعد استشارة الطبيب، مع ضرورة الانتباه للجفاف، والالتزام بمواعيد الأدوية، وتقليل الملح لتجنُّب ارتفاع الضغط. إرشادات غذائية عند الإفطار والسحور استشاري أمراض الجهاز الهضمي والكبد الدكتور عبدالله المحمود وجّه مجموعة من النصائح لضمان صيام مريح وصحة هضمية أفضل خلال شهر رمضان، مشيراً إلى أن تغيّر مواعيد تناول الطعام قد يؤدي إلى اضطرابات مزعجة مثل الحموضة وارتجاع المريء وعسر الهضم. وغالباً ما ترتبط هذه الأعراض بالإفراط في تناول الطعام عند الإفطار أو الإكثار من الأطعمة الدسمة والحارة بعد ساعات طويلة من الصيام. ويؤكد الدكتور المحمود أن الحفاظ على صحة الجهاز الهضمي يبدأ بالترطيب الجيد، من خلال شرب الماء بانتظام بين الإفطار والسحور على فترات متقطعة، مع تجنّب المشروبات الغازية التي تسبب الانتفاخ، والحد من المنبهات كالقهوة التي قد تزيد الجفاف وتسبب تقلصات أو إسهالاً عند تناولها على معدة فارغة. كما ينصح بعدم الإفراط في تناول الطعام عند الإفطار، إذ إن البدء بوجبة خفيفة يساعد على تهيئة المعدة تدريجياً، على أن تُتناول الوجبة الرئيسية بعد فترة قصيرة لتقليل التقلصات والارتجاع. ويشدد على ضرورة تقليل الدهون في الطعام لتجنب الغثيان والاضطرابات الهضمية، إضافة إلى تجنب النوم مباشرة بعد الأكل، وترك فترة لا تقل عن ساعتين لتقليل الحموضة. ويشير استشاري أمراض الجهاز الهضمي الدكتور المحمود إلى أهمية زيادة تناول الألياف التي تسهم في الحد من الانتفاخ والإمساك، وذلك من خلال اختيار الحبوب الكاملة وإضافة البقوليات مثل العدس والفاصوليا إلى الوجبات. ويختتم بالتأكيد على أن الصيام الصحي لا يعتمد فقط على الامتناع عن الطعام، بل على أسلوب الإفطار، ونوعية الأطعمة المتناولة، وتنظيم شرب الماء، مؤكداً أن اتباع عادات بسيطة كفيل بجعل رمضان أكثر راحة دون متاعب هضمية. إعادة ضبط الجسم استشاري الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي والكبد الدكتور عبدالرحمن أحمد الملق، أكد أن رمضان عبادة عظيمة تتطلب وعياً صحياً، فالصيام ليس مجرد الامتناع عن الأكل والشرب، بل فرصة لإعادة ضبط الجسم. وأوضح الدكتور الملق أن التحدي الحقيقي يبدأ عند الإفطار، إذ يؤدي تنوع الأطعمة والحلويات والمقليات إلى انتقال البعض من صيام صحي إلى إجهاد جسدي، خصوصاً ذوي الأمراض المزمنة مثل السكري والضغط وأمراض القلب وارتفاع الدهون ودهون الكبد وارتجاع المريء. وحذّر من الأطعمة التي يجب تجنبها؛ المتمثلة في المقليات كالسنبوسة والأطعمة المغموسة بالزيت، والحلويات المركزة مثل الكنافة والعصائر المركزة، والأطعمة المالحة مثل المخللات والشوربات المالحة، كما شدد على أهمية استشارة الطبيب قبل الصيام، وتجنب الإفطار المفاجئ بكميات كبيرة، وبدء الإفطار بالماء والتمر ثم تناول الوجبة الرئيسية تدريجياً. وأوصى باعتماد طبق صحي متوازن يحتوي نصفه على خضار، وربعه بروتين، وربعه نشويات معقدة، مع الحرص على شرب الماء تدريجياً بين المغرب والفجر، وتجنب العصائر الصناعية، وتناول سحور متأخر يحتوي على شوفان أو خبز أسمر وزبادي وبروتين خفيف. واختتم الدكتور الملق حديثه بتأكيد أن رمضان فرصة عظيمة لتحسين الصحة وليس لإرهاقها، وأن الصيام لا يكون صحياً تلقائياً، بل يصبح كذلك عندما يصاحبه اعتدال واختيار غذائي صحيح ووعي صحي، خصوصاً لدى ذوي الأمراض المزمنة. أخطاء غذائية شائعة استشاري الغدد الصماء والسكري الدكتور الزهراني أشار إلى أن المشكلة ليست في الصيام ذاته، بل في طريقة الإفطار. فالكثيرون يحولون وجبة الإفطار إلى وجبة تعويضية مليئة بالسكريات والمقليات، مما يعرّض مرضى السكري لارتفاعات خطيرة في مستوى السكر، كما قد يتأثر مرضى الضغط بزيادة الملح والجفاف. ومن أبرز الأخطاء الشائعة هي البدء بالعصائر المحلاة بكميات كبيرة، والإفراط في المقليات والدهون الثقيلة، وتناول وجبة كبيرة دفعة واحدة، والإكثار من المخللات، وإهمال شرب الماء بين الإفطار والسحور. تقييم مرضى السكري استشاري أمراض السكري وطب الأسرة الدكتورة مي سراي الشمري أوضحت أن سؤال «هل يمكنني الصيام؟» يتكرر كثيراً لدى مرضى السكري مع حلول رمضان. وأكدت أنه لا توجد إجابة واحدة تناسب الجميع، فالأمر يعتمد على شدة المرض ومدى السيطرة عليه ونوع السكري ووجود مضاعفات. وشددت على ضرورة استشارة الطبيب قبل رمضان لتحديد إمكانية الصيام وتعديل الجرعات. كما نصحت الاستشارية الدكتورة مي المرضى بأخذ قسط من الراحة بعد الظهر، وتقليل النشاط البدني خلال النهار، وممارسة نشاط خفيف في المساء، مع حمل قطعة حلوى أو عصير محلى عند الخروج من المنزل تحسباً لهبوط السكر. وأوصت بأن يبدأ الإفطار بما يحتوي على طاقة مثل التمر أو العصير أو الحساء الدافئ، مع تقسيم وجبة الإفطار لتجنب الارتفاع المفاجئ للسكر، والتقليل من الحلويات الرمضانية مثل الكنافة والقطايف. كما أكدت أهمية شرب الماء بين الإفطار والسحور، وتناول وجبة سحور متأخرة غنية بالألياف والبروتين، ومراقبة مستوى السكر مرات عدة يومياً، وحددت الحالات التي يجب فيها كسر الصيام فوراً، مثل انخفاض السكر إلى 70 ملغم/ديسيلتر أو أقل، أو ارتفاعه إلى 300 ملغم/ديسيلتر أو أكثر، أو ظهور أعراض خطيرة، أو في حال المرض الحاد أو الجفاف أو وجود كيتونات.