بينما كانت بيوت المصريين تتنفس روحانيات الشهر الكريم، وتستعد لاستقبال نفحات الرحمة والسكينة، ظهرت في الأفق غيوم سوداء حاولت تعكير صفو هذا الهدوء، واعتقد البعض واهمين أن نفوذهم أو بطشهم قد يجعلهم في مأمن من العقاب، أو أن يد العدالة قد تغفل عنهم في زحام الأيام المباركة، لكن هيهات لهم؛ فنحن نعيش في ظل دولة لا تفرق بين غني أو فقير، ولا تسمح بمرور أي تجاوز يمس كرامة المواطن أو أمنه، مهما بلغت سطوة المعتدي أو ظن نفسه فوق المساءلة. وفي مشهد يبرز "الوجه الحسن" لعالم التواصل الاجتماعي، تحولت منصات السوشيال ميديا خلال الأيام الماضية إلى عيون ساهرة لا تنام، وباتت بمثابة بلاغ رسمي إلى جهات التحقيق، حيث كشفت عن واقعتين هزتا الوجدان الجمعي للمصريين. الواقعة الأولى جرت تفاصيلها المثيرة داخل أحد الكمبوندات السكنية الشهيرة بمنطقة القاهرة الجديدة، حيث تجرد رجل أعمال من مشاعر الإنسانية، واستغل نفوذه الموهوم للتعدي بالضرب والصفع على وجه فرد أمن إداري بسيط، لم تكن جريمته سوى أنه يؤدي عمله بإخلاص ويطبق التعليمات المنوط بها. لقد كان مقطع الفيديو الذي وثق لحظة انكسار فرد الأمن وصفعه على وجهه بمثابة "زلزال رقمي" ضرب القلوب قبل أن يضرب جدران السوشيال ميديا. صرخات الاستهجان والمطالبة بالحق لم تتوقف، ولم تذهب سدى، حيث كانت سرعة استجابة الأجهزة الأمنية تضاهي سرعة انتشار الفيديو، وفي وقت قياسي، وجد "رجل الأعمال" نفسه مكبلاً بالأصفاد، ليثبت القانون للجميع أن كرامة "فرد أمن بسيط" هي من كرامة الدولة ذاتها. وعلى بعد كيلومترات قليلة من صخب العاصمة، وتحديداً في منطقة "باسوس" بمحافظة القليوبية، كانت هناك واقعة أخرى أكثر قسوة ومرارة، واقعة امتزجت فيها قدسية الصلاة بدموع البراءة. هناك، وثقت كاميرات المراقبة ومن خلفها عيون السوشيال ميديا، مشهداً تدمع له العين؛ طفل صغير لا يتجاوز عمره بضع سنوات، يحمل سجادة الصلاة بيمينه، ويسير في طمأنينة بجوار والده عقب أداء صلاة التراويح، يملؤهما نور الإيمان وفرحة الليلة الرمضانية. لكن هذا المشهد الشاعري قطعه رصاص الغدر، عندما اعترض طريقهم خارجون عن القانون، وفتحوا نيران "الخرطوش" بدم بارد، لتسكن الطلقات جسد الأب وطفله في مشهد مأساوي تناقله رواد التواصل الاجتماعي بحسرة وألم فاق كل وصف. تلك الصرخات الرقمية التي انطلقت من كل حدب وصوب، كانت الوقود الذي حرك أجهزة الأمن بقوة الضربة القاضية. لم تمر ساعات حتى كان المتهمون في قبضة رجال المباحث، يجرون أذيال الخيبة والندامة بعدما ظنوا أن شوارع "باسوس" قد تخلو لهم. سرعة الضبط في هاتين الواقعتين لم تكن مجرد إجراءات روتينية، بل كانت رسالة رادعة ومشفرة لكل من تسول له نفسه الخروج عن المألوف أو ترويع الآمنين؛ رسالة مفادها أننا في دولة قانون حقيقية، لا مكان فيها للبلطجة، ولا حماية فيها لمتجاوز، حتى لو كانت هذه الوقائع مجرد حوادث استثنائية لا تعبر عن طبيعة الشعب المصري الأصيل. إن السوشيال ميديا، رغم ما يشاع عنها من سلبيات، أثبتت في هذه الأزمات أنها "سلاح ذو حدين" استُخدم هذه المرة لنصرة المظلوم وتوجيه العدالة نحو خيوط الجريمة المختبئة. إنها عيون الشعب التي ترصد، وأذن الجهات المعنية التي تسمع، ويد القانون التي تضرب بكل قوة. ومع استمرار التحقيقات في هاتين الواقعتين، يبقى اليقين ثابتاً في أن القصاص العادل سيكون هو الكلمة الأخيرة، ليبرد نار قلوب الضحايا، ويؤكد للجميع أن في مصر رجالاً لا ينامون حتى يعيدوا الحق لأصحابه، وأن بركة رمضان ترفض الظلم، وقانون الدولة يلفظ البلطجة. تظل هاتان الواقعتان، رغم مرارتهما، درساً لكل من يظن أن "الشاشة" قد تحميه أو أن "الليل" قد يخفيه. فكل مواطن اليوم هو شريك في حفظ الأمن، وكل هاتف محمول هو كاميرا مراقبة في خدمة العدالة. ويبقى الدرس الأهم أن هيبة الدولة ليست في شعارات ترفع، بل في صفعات ترد لأصحابها بالقانون، وفي دماء أطفال تُصان بتقديم الجناة للمحاكمة العاجلة، ليبقى رمضان شهراً للأمن والأمان، وتبقى مصر دائماً وأبداً واحة للقانون والعدل والسكينة.