د. لويس حبيقة * كانت الإدارة العامة الصينية الأفضل عالمياً حتى القرن التاسع عشر، عندها انتقلت القيادة النوعية إلى الغرب. تريد الصين اليوم إعادة تفوقها الإداري الذي سينعكس تفوقاً اقتصادياً وسياسياً. لذا أسست الصين مدرسة الإدارة الوطنية تحت رعاية الرئيس السابق «هيو جينتاو» (2003 2013) الذي قال إن التفوق الصيني يرتكز على العلم والنوعية وخاصة التدريب. مدرسة الحزب الشيوعي في العاصمة تركز على تحديد الأهداف، بينما تسعى مدرسة بيودونغ إلى تحديد كيفية الوصول إلى تلك الأهداف.في أنظمتنا التعليمية الوطنية العادية، نتطلع خاصة إلى الغرب لأخذ الأفكار والدروس التطبيقية. إلا أن آسيا تتفوق أحياناً على الغرب ليس فقط في الأفكار بل في التطبيق أيضاً. شكلت شرق آسيا أعجوبة اقتصادية لا بد من أخذ العبر منها لمحاولة إنقاذ الاقتصادات العربية المتعثرة وغير المتنوعة. من المؤكد أن الاقتصاد الحر المبني على العولمة لم يعط النتائج المرجوة. لم تعد مجموعة الاقتصادات الناشئة العمود الفقري للاقتصاد العالمي كما كانت عليه بسبب سوء الأداء، وعلى الأخص بسبب الفساد المنتشر في الإدارة والسياسة والأعمال. يحتاج الاقتصاد العالمي إلى نفضة كبيرة تبدأ من الاقتصادات الوطنية لتنتقل إلى الاقتصادين الإقليمي والدولي.تشعر الصين اليوم بالتعثر وليس باليأس والقلق، إذ ها هي تؤسس للمستقبل علماً أن نتائج الماضي لم تكن سيئة. في مدرسة الإدارة في «بيودونغ» Pudong مثلاً، تجهز الصين قيادات المستقبل عبر دروس ومحاضرات وندوات بمستويات عالمية. هنالك آلاف الأشخاص يتخصصون في الإدارة العامة أي في جهاز إداري يقوى مع الوقت. يجب على كل موظف في الدولة أن يتدرب 3 أشهر على الأقل كل 5 سنوات أي نحو 133 ساعة في السنة. في الصين، يتم اختيار الأفضل للعمل في القطاع العام على عكس الدول الغربية التي يذهب أفضل شبابها وشاباتها إلى القطاع الخاص. فالعقلية الصينية مختلفة عن الغربية، إذ لا تشكّل المنافع المادية السبب الأساسي لانتقال الموظف أو العامل من عمل إلى آخر. هنالك رابط نفسي قوي يربط العامل والموظف بالمؤسسة التي يعمل فيها، لا نجد مثيلاً له في المؤسسات الغربية.بنيت الأفكار الصينية على النموذج السنغافوري الذي يجُمع العالم على نجاحه. سنغافورة، الدولة الصغيرة المتفوقة إدارياً واجتماعياً، بنت أفضل المدارس والمستشفيات، وحققت نظاماً سياسياً مبنياً على القانون والعدل والتخطيط. يمكن تشبيه سنغافورة بالنسبة للصين ب«سيليكون فالي» الأمريكية وانعكاسها على القطاعين العام والخاص. حقق «لي كيوان يو» أعجوبة اقتصادية خلال توليه رئاسة الحكومة في سنغافورة (1959 1990). حقق الأمن والنظام وفتح الاقتصاد على الاستثمارات. وظف أذكى وأفضل الأشخاص في الحكم ودرّبهم ودفع لهم أجوراً عالية لتحفيزهم على العمل في القطاع العام. لم تكن الصين الاقتصاد الوحيد الذي حاول ويحاول التعلم من التجربة السنغافورية، بل هنالك «دبي» التي يستمر نجاحها في ميادين عدة وتتنافس اليوم مع المدن الناشطة لإعطاء أفضل النتائج.