بات التعليم الهندسي في صميم التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يشهدها العالم، في ظل تسارع الابتكار في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والمدن الذكية. وشدّد خبراء وأكاديميون في دبي، على أن هذه التحولات تفرض إعادة صياغة شاملة للمناهج الهندسية في الجامعات، بما يواكب المتطلبات المستقبلية ويؤهل الطلبة للقيام بأدوار محورية وأساسية في التنمية المستدامة والاقتصاد القائم على المعرفة. مرحلة مفصليةيرى الدكتور فادي غيث، رئيس كلية الهندسة والعلوم الفيزيائية في جامعة هيريوت وات دبي، أن التعليم الهندسي يمر بمرحلة مفصلية تستدعي مراجعة بنيته ومحتواه، في ظل التحولات التكنولوجية غير المسبوقة في العقدين الأخيرين، نتيجة التطور المتسارع في الأجهزة والبرمجيات، وتلاقي تقنيات المعلومات والاتصالات مع الذكاء الاصطناعي.وحدد مجموعة من الاتجاهات الناشئة التي ستشكل ملامح التعليم الهندسي عام 2026، أبرزها التعلم متعدد التخصصات، ودمج الذكاء الاصطناعي والأتمتة، واعتماد التوأم الرقمي وبيئات التصميم الافتراضية، إلى جانب ترسيخ مفاهيم الاستدامة والتصميم المتمحور حول الإنسان، وتعزيز الشراكات مع قطاع الصناعة.وأكد أن الجامعات مطالبة بتخريج مهندسين لا يتمتعون بالكفاءة التقنية فقط، بل يمتلكون مهارات القيادة وإدارة المشاريع المعقدة والقدرة على مواءمة الحلول الهندسية مع استراتيجيات الأعمال، بما يضمن جاهزيتهم لسوق العمل وقدرتهم على تحقيق تأثير ملموس ومستدام. ركيزة أساسيةأصبحت الهندسة اليوم ركيزة أساسية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية عالمياً، إذ تقوم عليها البنية التحتية والنمو الصناعي وقطاعات الطاقة والاستدامة والابتكار.وقال فادي غيث، إن المراكز الاقتصادية العالمية، وفي مقدمتها منطقة الشرق الأوسط، تقود مسيرة دمج المنهجيات الهندسية المتقدمة لتحقيق النمو الوطني، مستشهداً بالمشاريع الكبرى في المنطقة، مثل مدينة نيوم في السعودية ومجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في الإمارات.وأكد أن هذا الزخم المتسارع يفرض على التعليم الهندسي مواصلة التطور بمرونة وكفاءة لمواكبة متطلبات السوق ومعايير الصناعة المتغيرة. أداة داعمةلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة داعمة في التعليم الهندسي، بل تحول إلى عنصر محوري في تطوير المهارات العملية للطلبة، وكشف الدكتور شوقي مؤنس، أستاذ مساعد بكلية الهندسة والعلوم الفيزيائية، أن الدراسات الحديثة أثبتت قدرة الذكاء الاصطناعي على جعل التجربة التعليمية أكثر تفاعلية وواقعية، عبر محاكاة تحديات العالم الحقيقي داخل بيئات تعليمية آمنة ومنخفضة التكلفة.وأوضح أن المنصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي باتت قادرة على توليد مهام تعليمية تتكيف مع مستوى كل طالب، وتقديم تقييم فوري لأعمال البرمجة والتصميم، فضلاً عن إنشاء مختبرات افتراضية لاختبار أنظمة هندسية معقدة دون قيود تتعلق بالسلامة أو الإمكانات المادية. كما تلعب «المرشدات الافتراضية» دوراً مهماً في توجيه الطلبة خلال مشاريع تحاكي بيئات العمل الاحترافية، بما يسهم في تعزيز الكفاءة التقنية، وتنمية التفكير النقدي والعمل الجماعي، وترسيخ الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا. مهندس المستقبلفي ما يتعلق بالكفاءات المطلوبة لمهندس المستقبل، شدد شوقي مؤنس على أن الاكتفاء بالمعرفة التخصصية لم يعد كافياً، في ظل التحولات المتسارعة في الصناعة. وأوضح أن انتشار التقنيات الرقمية في قطاعات مثل البناء والطاقة المتجددة يفرض على طلبة الهندسة تطوير مهارات إضافية، أبرزها تحليل البيانات والتفكير الحسابي.وأضاف أن المهارات الشخصية لا تقل أهمية عن المهارات التقنية، مؤكداً أن التواصل الفعّال، والإبداع، والتفكير الأخلاقي أصبحت عناصر حاسمة لتمكين طالب كلية الهندسة من العمل ضمن فرق متعددة التخصصات، مع إدراك الأبعاد المجتمعية لتطبيقات التكنولوجيا. تدريب مهنيسلطت الدكتورة رُلي شوقي، أستاذ مساعد بكلية الهندسة والعلوم الفيزيائية الضوء على التحديات التي تواجه الجامعات عند دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في مناهج الهندسة، مشيرة إلى أن نقص الخبرة المتخصصة لدى بعض أعضاء هيئة التدريس، إلى جانب محدودية الموارد المالية والبنية التحتية للحوسبة المتقدمة، يشكلان عائقاً رئيسياً.كما حذرت من التحديات الأخلاقية والأكاديمية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، مثل مخاطر الانتحال والتحيز والاعتماد المفرط على المخرجات الآلية، بما قد يضعف التفكير النقدي والإبداع لدى الطلبة. وأكدت أن تجاوز هذه التحديات يتطلب استثماراً جاداً في التدريب المهني المستمر، وتعزيز الشراكات مع قطاع الصناعة، وتوسيع التعاون متعدد التخصصات.وفي سياق دعم الاستدامة، أوضحت أن تحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي يلعبان دوراً محورياً في جعل المشاريع الهندسية أكثر كفاءة واستدامة، من خلال تمكين المهندسين من اتخاذ قرارات دقيقة طوال دورة حياة المشروع، من التصميم وحتى التشغيل والصيانة.وأشارت إلى أن هذه التقنيات تُستخدم لتحسين استهلاك الطاقة، والتنبؤ باحتياجات الصيانة، وتقليل هدر المواد، لاسيما في مشاريع البنية التحتية والمدن الذكية في الشرق الأوسط، حيث تعتمد المبادرات الحديثة على نمذجة البيانات لخفض الانبعاثات الكربونية وتحسين كفاءة الموارد. مستقبل هجيناتفق الخبراء على أن مستقبل التعليم الهندسي سيكون هجيناً، يجمع بين الأسس النظرية المتينة والتطبيقات الرقمية المتقدمة، وأكدوا أن بيئات التصميم الافتراضية لا تُلغي دور المعلم، بل تعززه وتنقل الطالب من متلقٍ للمعلومة إلى مشارك فاعل في عملية التعلم.وقال الدكتور سامي ناصر، أستاذ الهندسة بجامعة ولونغونغ دبي، إن مهندس المستقبل هو من يفهم الأثر البيئي والاقتصادي والاجتماعي للحلول التي يصممها، وليس الجانب التقني فقط، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصراً أساسياً في سير العمل الهندسي، من تصميم الدوائر الكهربائية إلى إدارة أنظمة الطاقة والتصنيع.