قبل أشهر قليلة من استضافة المكسيك مباريات في نهائيات كأس العالم 2026، وجدت البلاد نفسها أمام اختبار أمني قاسٍ عقب مقتل زعيم كارتل «خاليسكو الجيل الجديد» نيميسيو أوسيغيرا سيرفانتيس، المعروف بلقب «إل مينتشو»، في عملية عسكرية خاصة بولاية خاليسكو. الحدث الذي وُصف بأنه الضربة الأقوى لتجارة المخدرات منذ سنوات، لم يُغلق صفحة العنف، بل فتح فصلاً دموياً جديداً امتد إلى أكثر من 20 ولاية، وأسفر عن مقتل 25 عنصراً من الحرس الوطني، ودفع الحكومة إلى نشر 10 آلاف عسكري في الشوارع لاحتواء موجة انتقامية واسعة. وتتجه الأنظار إلى مدن مكسيكية رئيسية، بينها غوادالاخارا، إحدى المدن الثلاث المرشحة لاستضافة مباريات المونديال، في وقت تحاول فيه السلطات طمأنة الداخل والخارج بأن الأمن «تحت السيطرة»، رغم المشاهد التي بدت أقرب إلى «حالة حرب» في بعض المناطق. وبين إعلان الحكومة استعادة الهدوء، وقلق الشارع من ارتدادات أمنية قد تؤثر على الاستحقاقات الرياضية والسياحية المقبلة، تقف المكسيك أمام مفترق طرق: هل يشكل سقوط «إل مينتشو» نقطة تحول نحو الاستقرار… أم شرارة صراع جديد قد يضع حتى رهانات كأس العالم على المحك؟ مباريات كأس العالم على المحك ومن المقرر أن تستضيف غوادالاخارا، إحدى المدن المكسيكية الثلاث المضيفة لكأس العالم القادمة لكرة القدم، أربع مباريات في يونيو القادم، إلى جانب آلاف الزوار المتوقع حضورهم. ورداً على سؤال حول مباريات كأس العالم في المكسيك، قالت متحدثة باسم «فيفا» إن المنظمة لا ترغب في التعليق على الوضع. وكانت عدد من مباريات كرة القدم في المكسيك تم تأجيلها الأحد، إثر اندلاع أعمال العنف. وشملت المباريات الملغاة مواجهات من الجولة السابعة للبطولة الختامية (كلاوسورا) في دوري الدرجة الأولى المكسيكي «ليغا إم إكس»، وعدداً من مباريات دوري السيدات، إضافة إلى مباراة ودية دولية بين منتخبي المكسيك وأيسلندا. معلومات استخباراتية أمريكية..وتنفيذ مكسيكي وزير الدفاع المكسيكي ريكاردو تريفييا أوضح أن تحديد موقع أوسيغيرا تم عبر تتبع إحدى شريكاته، بدعم معلومات استخباراتية وفّرتها الولايات المتحدة، مشدداً على أن العملية خُطط لها ونُفذت بالكامل من قبل القوات الخاصة المكسيكية. الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم أكدت بدورها أن التعاون مع واشنطن يقتصر على تبادل المعلومات، دون مشاركة ميدانية أمريكية في العملية. وخلال المداهمة، ضبطت القوات مركبات مدرعة وأسلحة ثقيلة، بينها قاذفات صواريخ، فيما أُصيب ثلاثة جنود نُقلوا إلى مكسيكو سيتي لتلقي العلاج. رد انتقامي دامٍ.. 25 عسكرياً في يوم واحد لم تمضِ ساعات على إعلان مقتل «إل مينتشو» حتى اندلعت أعمال عنف في ما لا يقل عن 20 ولاية. وزير الأمن عمر غارسيا هارفوتش أعلن مقتل 25 عنصراً من الحرس الوطني في هجمات وصفها بـ«الجبانة»، إضافة إلى حارس سجن وعضو من الادعاء العام في خاليسكو. وسُجلت 27 اعتداءً مباشراً على قوات الأمن، و85 عملية إغلاق طرق في ولايات عدة، بينها ميشواكان وغواناخواتو وسينالوا وتاماوليباس وفيراكروز. كما قُتل 46 مسلحاً واعتُقل أكثر من 70 آخرين، فيما لقي 30 عنصراً من الكارتل مصرعهم في اشتباكات متفرقة. وفي ولاية ميشواكان وحدها، أُصيب 15 عنصراً أمنياً خلال 15 هجوماً مسلحاً. «منطقة حرب» في خاليسكو المشاهد المنشورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي من مدينة بويرتو فالارتا السياحية أظهرت سيارات محترقة، ومحطات وقود مستهدفة، وأعمدة دخان تتصاعد في سماء مدن عدة، بينها غوادالاخارا، ثاني أكبر مدن البلاد. وتعرض سجن قريب من بويرتو فالارتا لهجوم مسلح، حُطمت خلاله البوابة الرئيسية بمركبة، ما أدى إلى فرار 23 سجيناً. كما أُحرقت متاجر، واستُهدفت نحو 20 منشأة مصرفية، وأُقيمت مئات الحواجز في الطرق. وأعلن حاكم خاليسكو بابلو ليموس نافارو حالة الطوارئ القصوى، مع تعليق النقل العام والدراسة وإلغاء الفعاليات الجماهيرية. شوارع شبه خالية.. ومخاوف من القادم في غوادالاخارا، بدت الشوارع شبه مهجورة، وأغلقت معظم المتاجر أبوابها، بينما اصطف المواطنون أمام القليل المفتوح منها خشية نقص المواد الغذائية. ورغم تأكيدات الرئيسة شينباوم بأن البلاد استعادت هدوءها وأن الحواجز أزيلت، رصد صحفيون استمرار وجود نقاط مسلحة قرب مواقع الاشتباكات، فيما علّقت مدارس في 12 ولاية الدراسة احترازياً. كما ألغت شركات طيران دولية رحلاتها إلى خاليسكو، وسط تحذيرات أمنية أصدرتها الولايات المتحدة وبريطانيا لرعاياهما. صراع خلافة يلوح في الأفق كارتل «خاليسكو الجيل الجديد»، الذي أسسه أوسيغيرا عام 2009، تحول خلال سنوات قليلة إلى أحد أخطر التنظيمات الإجرامية في العالم، متورطاً في تهريب الكوكايين والميثامفيتامين والفنتانيل، إضافة إلى الابتزاز وتهريب المهاجرين وسرقة النفط والمعادن. ويرى خبراء في الأمن القومي أن غياب خليفة واضح لـ«إل مينتشو» قد يفتح الباب أمام صراع داخلي دموي على الزعامة، أو مواجهة مع كارتلات منافسة للسيطرة على مناطق النفوذ.