مع حلول شهر رمضان المبارك، برزت ظاهرة مستحدثة أطلق عليها أفراد المجتمع «التسول ديليفري»، حيث لم يعد التسول مقتصراً على الطرقات والأماكن العامة، بل امتد ليطرق أبواب المنازل. هذه الأساليب المبتكرة تعيد الحاجة إلى فتح النقاش حول خطورة ظاهرة التسول ودور التوعية المجتمعية، إلى جانب الجهود المكثفة التي تبذلها شرطة دبي لمكافحتها والتصدي لأي ممارسات غير قانونية. كشف سكان عدة مناطق ل «الخليج» عن بروز هذه الظاهرة الجديدة، حيث يلجأ متسولون إلى طرق أبواب المنازل مدّعين معاناتهم من أمراض وهمية، وعدم قدرتهم على شراء الأدوية، مستغلين عاطفة النساء عبر سرد قصص مأساوية عن أوضاع معيشية واقتصادية صعبة. يشكل ثقافة المجتمع ووعيه عاملاً أساسياً في التصدي لظاهرة التسول، خصوصاً أمام بعض الحيل التي يتبعها المتسولون للحصول على الأموال، وهو ما تحذر منه شرطة دبي عبر حملات التوعية المستمرة التي تنظمها على مدار العام، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان. ويعمد بعض المتسولون إلى لفّ أيديهم بالشاش الطبي لاستدرار التعاطف، فيما تحمل متسولات أطفالاً رُضّعاً، بينما تدّعي أخريات فقدان أزواجهن والحاجة إلى المال لإطعام أطفالهن، مستغلين الأجواء الإنسانية قيم العطاء والتكافل الاجتماعي التي تتجلّى في شهر رمضان، وازدياد رغبة الناس في تقديم الصدقات ومساعدة المحتاجين. حجج متعددة اعتبرت أروى هزاع أن ظاهرة التسول غريبة على المجتمع الإماراتي، مؤكدة أنها لم تكن موجودة سابقاً، بل ظهرت في السنوات الأخيرة بأساليب وحجج متعددة تهدف إلى سلب الأموال، مشيدة في الوقت ذاته بالجهود التي تبذلها الجهات المختصة، وعلى رأسها شرطة دبي، في مواجهتها عبر حملات التوعية، إلا أنها لا تزال تتزايد مع اقتراب شهر رمضان والأعياد الدينية، داعية أفراد المجتمع إلى التعاون مع الجهات الأمنية للقضاء على هذه الظاهرة. فيما قال حسين الزقري، إن ثقافة المجتمع تلعب دوراً بالغ الأهمية في مكافحة التسول والتصدي له، مشيراً إلى حملات الشرطة التي تركز على توعية الجمهور بمخاطر التجاوب مع المتسولين وحثهم على الإبلاغ عنهم فوراً. مؤسسات خيرية على الرغم من وجود مؤسسات خيرية معتمدة تُعنى بمساعدة المحتاجين، فإن المتسولين لم يكفّوا عن مطاردة الناس، حيث تقول حمده المر، إنها تقابلهم في مواقف المركبات أمام المستشفيات ليستدروا عطف الناس، معتبرة أن التجاوب معهم يُعد تصرفاً خاطئاً. وقال سيف عبدالله، إن معظم المتسولين يمارسون أسلوب الدراما من أجل استعطاف الجمهور، خصوصاً مع العنصر النسائي، الذي يتأثر بسرعة مع هذه الحالات، لافتاً إلى ضرورة تشديد العقوبات والإجراءات القانونية بحقهم، للحد من سلوكياتهم والحفاظ على الصورة الحضارية للدولة، والحفاظ على أموال الناس. الكسب السريع لم يعد التسول يقتصر على المحتاجين، بل انضم إليهم محترفو الكسب السريع وضعاف النفوس. هكذا أكدت الاختصاصية الاجتماعية فدوى شاهين، التي لفتت إلى ابتكار أساليب حديثة لاستعطاف أصحاب القلوب الرحيمة، كادّعاء المرض، أو حمل الأطفال وأصحاب الهمم، أو توزيع أوراق مطبوعة تحمل قصصاً مختلقة. فيما أكدت القيادة العامة لشرطة دبي أنها تلاحق المتسولين وتتصدى لهم بحزم، لتخليص المجتمع من جمع الأموال دون وجه حق، مشددة على أن فرق العمل تكثف جهودها خلال شهر رمضان مع زيادة حملات التفتيش لضبط المخالفين. وأكد اللواء عيد بن ثاني بن حارب مساعد القائد العام لشؤون البحث الجنائي، أن شرطة دبي تلاحق المتسولين وتتصدى لهم لتخليص المجتمع من سلوكياتهم مؤكداً التصدي للظاهرة بكل حزم عبر فرق الحملات والتوعية المستمرة في الشهر المبارك، وزيادة حملات التفتيش في جميع مناطق دبي لضبط المتسولين. وشدد على أن تكاتف المجتمع مع الشرطة يمثل عنصراً محورياً في محاربة التسول والقضاء عليه، محذراً الجمهور من الوقوع ضحية للمتسولين، ومجدداً الدعوة إلى التبرع فقط عبر الجمعيات والمؤسسات الخيرية المعتمدة، والإبلاغ عن أي حالة تسول عبر الرقم المجاني (901)، أو خدمة «عين الشرطة» في تطبيق شرطة دبي، أو عبر منصة E-crime للحالات الإلكترونية ضبط حالات لفت العميد علي سالم الشامسي، مدير إدارة المشبوهين والظواهر الجنائية بشرطة دبي، إلى أن المتسولين يستغلون خُلق الكرم لدى المجتمع لتحقيق مكاسب غير مشروعة، مشيراً إلى ضبط حالات عدة استخدمت الأطفال وأصحاب الهمم في التسول، ولفت إلى أن تعزيز الوعي المجتمعي حول الأساليب والطرق التي يستخدمها المتسولون يسهم بشكل فعال في التقليل من هذه السلوكيات السلبية. فيما تؤكد الإدارة العامة للهوية وشؤون الأجانب في دبي، وجود قرارات واضحة وعقوبات صارمة للحد من انتشار هذه الظاهرة، وأنها أولت اهتماماً كبيراً لهذه الظاهرة، حيث عملت على إبعاد المتسولين وإدراجهم في القائمة السوداء هم وكفلائهم وبالفعل تم ترحيل أعداد كبيرة أغلبهم من جنسيات آسيوية وعربية مختلفة، وهناك تعاون وتنسيق مع الجهات الأمنية للقضاء على هذه الممارسات التي لا تليق بمجتمع راقٍ كمجتمع الإمارات. أوضح المستشار القانوني محمد فتحي أن التسول جريمة يعاقب عليها القانون الاتحادي رقم (9) لسنة 2018 في شأن مكافحة التسول، حيث يعاقب مرتكب التسول المنفرد بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر والغرامة التي لا تقل عن خمسة آلاف درهم، فيما تصل العقوبة في حالات التسول المنظم إلى الحبس والغرامة التي لا تقل عن مئة ألف درهم. وأكد أن كثيراً من المضبوطين في قضايا التسول لا يعانون حاجة حقيقية، بل يمتهنون هذا السلوك مستغلين المناسبات الدينية وأجواءها الروحانية، بما يسيء إلى قدسية الشهر الفضيل ويعكس صورة سلبية عن المجتمع. فيما أكد الدكتور أحمد بن عبدالعزيز الحداد، كبير المفتين ومدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، أن الإسلام حارب ظاهرة التسول، ودعا إلى العمل والعزة والكرامة، مبيناً أن السؤال لا يُباح إلا في حالات الضرورة القصوى، مستشهداً بالأحاديث النبوية التي تحث على الاعتماد على النفس وتحذر من اتخاذ المسألة حرفة. الجانب الاقتصادي التسول لم يعد سلوكاً عشوائياً مرتبطاً بالفقر فقط، بل تحول لدى البعض إلى نشاط يدرّ دخلاً سريعاً دون جهد أو التزام قانوني، مستفيدين من ارتفاع معدلات الإنفاق الخيري في المواسم الدينية. وأشارت الخبيرة الاقتصادية عواطف الهرمودي، إلى أن الأموال التي تُمنح خارج القنوات الرسمية تُسهم في تغذية اقتصاد غير مشروع، وتفقد العمل الخيري دوره الحقيقي في دعم الفئات المحتاجة، مؤكدة أن تنظيم الصدقات والتبرعات عبر الجهات المعتمدة يحقق أثراً اقتصادياً واجتماعياً مستداماً، ويحد من استغلال العاطفة الدينية في تحقيق مكاسب غير قانونية. أما الخبير الاقتصادي عادل إسماعيل، فيرى أن ظاهرة «التسول ديليفري» تُخلّ بتوازن منظومة التكافل الاجتماعي، إذ تؤدي إلى تحويل مسار التبرعات من مستحقيها الفعليين إلى أفراد يستغلون التعاطف الإنساني. وأوضح أن انتشار هذا النوع من التسول ينعكس سلباً على ثقة المجتمع في العمل الخيري، ويخلق حالة من التردد لدى المتبرعين، ما يضر بالاقتصاد الاجتماعي القائم على الشفافية والتنظيم. الأسر المتعففة قال أحمد السويدي، المدير التنفيذي لجمعية دبي الخيرية في دبي، إن أبواب الجمعية مفتوحة على مدار العام لاستقبال طلبات المساعدة من الأسر المتعففة والمحتاجين، مشددة على أن التبرع عبر القنوات الرسمية يضمن وصول الصدقات والزكاة إلى مستحقيها الحقيقيين. وأوضح أن التعامل المباشر مع المتسولين يسهم في تشجيع الظاهرة وانتشارها، في حين أن العمل الخيري المنظم يحدّ من استغلال حاجة الناس ويقطع الطريق أمام محترفي التسول. وهناك جهات رسمية وهيئات وجمعيات خيرية يمكن اللجوء إليها لطلب المساعدة المالية أو للحصول على «إفطار صائم» وغيرها من المساعدات، حيث تحتاج هذه الظاهرة المساهمة الإيجابية من أفراد المجتمع مع الأجهزة الأمنية، وذلك للقضاء عليها تماماً، وذلك من خلال التبرع بأموال الصدقات إلى الهيئات والجمعيات الخيرية، وذلك لضمان وصولها إلى مستحقيها من الفقراء والمحتاجين. الجانب النفسي ترى الاختصاصية النفسية ليلي عازر: «وراء ظاهرة التسول، تكمن دوافع نفسية معقدة تُحوّلها من مسألة حاجة إلى مهنة منظمة تُدر أرباحاً غير مشروعة. فبعض المستغِلين يُسيطرون على عواطف الناس عبر التلاعب النفسي، مثل التظاهر بالمرض أو اليتم، لاستدرار الشفقة وتحقيق مكاسب تفوق دخل العمل الشريف». وأكدت أن غياب الضمير الاجتماعي والانغماس في الجشع يدفعان البعض إلى استغلال فئات كالنساء والأطفال لتحقيق ثراء سريع دون عناء، مع اعتقاد راسخ بأن التسول «مصدر دخل مضمون» في ظل ضعف الرقابة، وهذه الأسباب تُظهر أن الاستغلال ليس مجرد سلوك اقتصادي، بل انعكاس لمرض نفسي يحتاج إلى مواجهة. ويضيف الاختصاصي النفسي عبدالله حامد، أن معظم المتسولين يدخلون البلاد بحجة الزيارة أو العمل، إلا أن السبب الرئيسي لقدومهم هو الطمع والجشع والرغبة في النصب على الناس لأنهم يدركون أن الدولة غنية وأن دخل الفرد فيها مرتفع، مما يدفعهم لاختيار طرق عديدة لإثارة الشفقة في قلوب الناس، ولفتت إلى أن انتشار هذه الظاهرة يؤدي إلى القلق ونشر الخوف، لأن الكثير من المتسولين بدأوا يسرقون البيوت ويرتكبون جرائم غير أخلاقية للحصول على المال، مما يؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار. إحصائيات كشفت القيادة العامة لشرطة دبي، عن ضبط 2587 مُتسولاً خلال السنوات الست الماضية، منهم 493 متسولاً خلال 2025 و384 خلال 2024، و499 مُتسولاً خلال 2023، و318 مُتسولاً خلال 2022، و458 خلال 2021، في حين تم ضبط 426 مُتسولاً عام 2020.