في لحظةٍ تتصاعد فيها حرارة الجبهات وتضيق فيها مساحات المناورة السياسية، جاء تصريح "دميتري مدفيديف" ليضع العالم أمام معادلة ردع جديدة، أكثر صراحة وأشد خطورة. فالتلويح باستخدام السلاح النووي، إذا ما جرى نقل تقنيات نووية إلى كييف، لا يمكن قراءته باعتباره انفعالاً إعلامياً عابراً، بل هو رسالة استراتيجية متعددة الطبقات، موجهة إلى الغرب قبل أن تكون موجهة إلى أوكرانيا. يعكس التصريح تحولاً في الخطاب الروسي من مستوى الردع الكلاسيكي إلى إعادة تعريف "التهديد الوجودي". فموسكو تؤكد، وفق عقيدتها النووية المعلنة، أن استخدام السلاح النووي لا يرتبط حصرياً بتعرضها لضربة نووية، بل يمكن أن يُطرح إذا واجهت تهديداً بأسلحة تقليدية يمسُّ بقاء الدولة أو يهدد عمقها الاستراتيجي. العمق الاستراتيجي.. المفهوم الذي يغير قواعد اللعبة تكمن حساسية المشهد في أن روسيا تعتبر الأراضي التي ضمّتها منذ عام 2014، وعلى رأسها شبه جزيرة القرم، ثم المناطق التي أعلنت ضمها لاحقاً في شرق وجنوب أوكرانيا، جزءاً لا يتجزأ من سيادتها. ووفق هذه الرؤية، فإن أي هجوم أوكراني واسع النطاق —مدعوم بأسلحة غربية متطورة— لا يُنظر إليه كتحرك لاستعادة أراضٍ متنازع عليها، بل كاعتداء مباشر على الاتحاد الروسي نفسه. هنا يتبدل تعريف الصراع: من حرب إقليمية إلى تهديد يمسُّ "سلامة الدولة"، وهو التعبير الذي يفتح الباب، نظرياً، أمام تفعيل المظلة النووية. عضوية "النادي النووي" بين الشرعية والردع روسيا ليست دولة نووية خارج النظام الدولي، بل هي عضو دائم في مجلس الأمن الدولي، وإحدى القوى المعترف بها نووياً في إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. هذا الوضع يمنحها شرعية امتلاك الترسانة النووية ضمن المنظومة القانونية الدولية، لكنه لا يمنح بالضرورة شرعية سياسية لاستخدامها إلا في سياق الردع. فالمنظومة النووية العالمية منذ الحرب الباردة قامت على مبدأ "توازن الرعب"، أي منع الاستخدام لا تبريره. وأي انتقال من منطق الردع إلى منطق التفعيل —حتى لو كان تكتيكياً— يعني كسر المحرّم الأكبر الذي استقر منذ عام 1945. النووي التكتيكي.. تصعيد محدود أم انزلاق مفتوح؟ الخطاب الروسي يلمّح غالباً إلى الأسلحة النووية غير الاستراتيجية، أو ما يُعرف بـ "النووي التكتيكي" المصمم لساحات القتال لا للمدن الكبرى. غير أن خطورة هذا الخيار تكمن في كونه يفتح مساراً تصاعدياً يصعب احتواؤه، فحتى الاستخدام المحدود سيستدعي رداً غربياً قد يكون تقليدياً في البداية، لكنه سيحمل في طياته احتمالات توسع غير محسوبة. وفي حال انخراط قوى أوروبية كالمملكة المتحدة وفرنسا في نقل تقنيات حساسة، فإن موسكو تلوّح باعتبار ذلك مشاركة مباشرة في صراع استراتيجي، لا مجرد دعم عسكري غير مباشر. رسائل موسكو.. أبعد من كييف يمكن قراءة التصريح الروسي في ثلاثة أبعاد رئيسية: ردع الغرب: تحذير واضح من تجاوز سقف الدعم العسكري النوعي لأوكرانيا. تحصين الأراضي المضمومة: تثبيت معادلة أن استهداف القرم أو المناطق المضمومة يُعد استهدافاً للأراضي الروسية. إعادة ترسيم الخطوط الحمراء: توسيع مفهوم "التهديد الوجودي" ليشمل الهزيمة الاستراتيجية بالأسلحة التقليدية. بين الحسابات العسكرية ومخاطر الانفلات ما يجري اليوم هو اختبار دقيق لتوازن الردع في أوروبا. فموسكو تستخدم الورقة النووية كأداة ضغط سياسي واستراتيجي، بينما يواصل الغرب سياسة الدعم العسكري المدروس لتفادي الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. غير أن توسيع تعريف التهديد الوجودي ليشمل خسارة أراضٍ متنازع عليها يضع النظام الدولي أمام سابقة خطيرة، حيث تتحول النزاعات الإقليمية إلى ساحات احتمالية للتصعيد النووي. في المحصلة، لا يبدو أن العالم على أعتاب حرب نووية وشيكة، لكنه يقف بلا شك على حافة معادلة ردع أكثر هشاشة. فالسلاح النووي، الذي كان لعقود مظلة تمنع الحرب الكبرى، أصبح اليوم ورقة ضغط تُستخدم في إدارة الصراع. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تبقى الورقة النووية أداة ردع صامتة، أم تتحول في لحظة اختلال توازن إلى واقع يتجاوز الحسابات؟ محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث متخصص في الجيوسياسية والصراعات الدولية إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع."جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"