أكدت الندوة الافتراضية التي نظَّمها مجمع الشارقة للبحوث والتكنولوجيا والابتكار، أن منظومة العمل الخيري العالمية تشهد تحولاتٍ جذرية، وأن رؤوس الأموال الخيرية باتت تفوق تريليون دولار سنوياً، بأكثر من ثلاثة أضعاف المعونات الإنسانية والتنموية في العالم. وأن نسبةً متزايدةً من هذه الأموال تخرج من قالب العطاء التقليدي وتتجه أكثر نحو الاستثمارات الاستراتيجية في الأبحاث والعلوم والابتكار.وأقيمت الندوة بمشاركة بدر جعفر، المبعوث الخاص لوزير الخارجية لشؤون الأعمال والأعمال الخيرية ومؤلف كتاب «اقتصاد العمل الخيري»، في حوار له مع حسين المحمودي، الرئيس التنفيذي للمجمع. أنظمة متكاملةقال بدر جعفر: «العملُ الخيري في أفضل حالاته، ليس مجردَ استجابةٍ للأزمات، بل أداة لتشكيل أنظمة متكاملة تحول دونها، فالعطاء المؤثر لا يكون مؤقتاً ورجعياً، بل استباقياً ومتجدداً».واستشهد بأمثلة تاريخية، منها تمويل مؤسسة روكفلر للعالِم الزراعي نورمان بورلاغ في أربيعينيات القرن العشرين، الذي حرّك «الثورة الخضراء» وأنقذ أكثر من مليار حياة، ومؤسسة «مارش أوف دايمز» التي قدمت استثمارات خيرية بقيمة 230 مليون دولار موّلت ابتكار جوناس سالك للقاح شلل الأطفال.وأكد أن هذه الأمثلة ليست نماذج متفرقة، بل نمطٌ واضحٌ لأموالٍ خيريةٍ خُصِّصت لدعم مبادرات واعدة في مراحلها التجريبية الأولى رغم إعراض جميع الاستثمارات الأخرى غير الخيرية عنها.وأبرز النقاش حجم العطاء في الشرق الأوسط والتحولات الجذرية التي تشهدها المنظومة الخيرية، لاسيما مع وصول المنح والتبرعات وأموال الزكاة في المنطقة إلى مستويات عالية تتراوح بين 400 مليار وتريليون دولار سنوياً، فيما يقدر العطاء الخاص في الخليج تحديداً بنحو 210 مليارات دولار سنوياً، أي أكثر من الناتج المحلي الإجمالي لغالبية الدول. روح العطاءأوضح بدر جعفر، أن ما يتغيرُ في الحقيقةِ ليس روح العطاءِ بحد ذاتها، بل البنية التحتية للأعمال الخيرية وأهدافها الاستراتيجية، إذ باتت رؤوس الأموال توجه أكثر نحو تنمية التعليم والرعاية الصحية والتكنولوجيا والحلول المناخية، وأصبح المانح أكثر وعياً.ووصف النهجَ الذي تعتمده الإمارات ب«المنصة المتكاملة»، موضحاً أنه النموذج نفسه الذي قاد الدولة إلى قمم النجاح في مجالات الطاقة المتجددة، والفضاء، والخدمات اللوجستية في المجال الإنساني، والطيران، وتطبقه أيضاً على الأعمال الخيرية والابتكار، وقال: «في العديد من مناطق العالم، ما يزال العمل الخيري والابتكار مجالَيْن منفصلَيْن، على خلاف الإمارات التي تحرص على دمجهما وتكاملهما لتعظيم أثرهما، ولعل ذلك بسبب التمسُّك الأصيل للمجتمع الإماراتي بثقافة الكرم والعطاء، وإقبال الدولة الشديد على دعم الابتكار وتبنيه». نهجٌ فعالمن جانبه، علّق حسين المحمودي، قائلاً: «في مجمع الشارقة للبحوث والتكنولوجيا والبتكار، نؤمن بأن تخصيص الأموال الخيرية للمنظومات الابتكارية نهجٌ فعال لتحقيق قيم اجتماعية واقتصادية مستدامة. توجه عَملنا رؤيةٌ واضحة، تسعى إلى سد الثغرة بين البحث العلمي والتطبيق العملي، وبناء بيئة متكاملة تجمع الشركات الناشئة والجامعات والمستثمرين والمؤسسات الخيرية، وتملك المحركات والمحفزات اللازمة لتسريع الأبحاث وترجمتها إلى حلول ملموسة قابلة للتوسع.وحدد جعفر ثلاثة معايير على المؤسسات الخيرية العالمية تحرّيها واستيفاؤها عند توزيع رؤوس الأموال هي: وضوح الغاية، ومصداقية أطر الحوكمة، ومدى اتصال المنظومة المستفيدة. وأوضح أن مجمع الشارقة للبحوث منصةٌ مُتمكّنة تجتمع عندها هذه المكونات الثلاثة وسط منظومة ابتكارية واسعة وتستند إلى البنية التحتية المعرفية للإمارة التي تستند إلى الأبحاث والثقافة والمعرفة.