قبل قرون، كان رحالة أوروبا والمسلمون أنفسهم يدهشون من ليالي رمضان في مصر. من ابن بطوطة وابن جبير إلى الأب فيليكس فابري في القرن الخامس عشر، كل منهم غرق في وصف الأضواء، والأسواق، والفوانيس التي تملأ شوارع القاهرة حتى الفجر. فابري وصف أول ليلة له قائلاً إن المدينة تتلألأ بأنوار المشاعل والفوانيس، فيما لاحظ الرحالة برنارد فون برايدنباخ والمسحراتية يسيرون بين الأزقة ينادون السكان للاستيقاظ للسحور. ومن أبرز طقوس رمضان في مصر القديمة كانت وظيفة المسحراتي: رجل يطوف الحارات بالطبلة، ينادي كل بيت باسم سكانه، ويوقظهم لتناول السحور. وفي الإسكندرية، كان المسحراتي يطرق الأبواب وينادي بصوت عالٍ على الجميع، لتصبح هذه العادة رمزًا للتواصل المجتمعي في الشهر الكريم. ولم يقتصر العطاء على شريحة واحدة، فقد دأب المصريون على تقديم الطعام والحلوى للفقراء، وإطلاق آلاف الأطباق في المساجد والشوارع. قال أحد الرحالة الفرنسيين إن السلطان الظاهر بيبرس خصص مطابخ ضخمة لإعداد إفطار لخمسة آلاف صائم يوميًا، بينما كانت الأعيان يوزعون اللحوم والمكسرات على الشعب. حتى العبيد لم يسلموا من كرم رمضان، إذ أفرج بعض السلاطين عن عشرات العبيد خلال الشهر الفضيل، بينما كان الآخرون يستمتعون بسماط سلطاني يمتد مئات الأمتار، ويحضره آلاف الناس. ومع غروب الشمس، تبدأ الأزقة والميادين في القاهرة بالإضاءة. فالناس يتجمعون حول موائد الإفطار، يتناولون الكعك والمكسرات، ويشربون شراب الورد أو البرتقال. وبعد صلاة التراويح، كانت فرق القراء والمنشدين تتجول في المساجد، يرددون القرآن بأصوات عذبة، ويهتفون بأناشيد دينية. رحالة آخرون لاحظوا أن العامة والأغنياء على حد سواء ينامون ساعات قصيرة خلال النهار استعدادًا للنشاط الليلي، بينما الأسواق تعج بالحركة والباعة والفنون الشعبية مثل عروض «الظِل» و«الأراجوز». ورصد رحالة مثل إدوارد وليم لين وريتشار بيرتون التفاصيل الدقيقة: من رؤية هلال رمضان، إلى صوت المدفع الذي يعلن الإفطار، وصولًا إلى الأجواء الاحتفالية في المقاهي، حيث ينشد الشعراء ويروى الناس القصص الشعبية. كل شيء في رمضان المصري كان مشهدًا حيًا ينبض بالحياة والكرم والدين في آن واحد. رمضان في مصر كان وما يزال احتفالًا متكاملاً للجسد والروح والمجتمع. من المسحراتي الذي يطرق الأبواب إلى مائدة الإفطار المليئة بالمأكولات، إلى أضواء الفوانيس إلى قراءات القرآن الليلية، كل التفاصيل رسمت صورة مدينة لا تنام، وناس يعيشون الشهر الكريم بكل ألوانه. إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع."جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"المصدر :" جريدة عكاظ "