كتب محمود عبد الراضي السبت، 28 فبراير 2026 05:00 م في ليالي رمضان المضيئة، وبينما تتأهب البيوت المصرية لاستقبال لحظات الإفطار، يحرص المصريون على الإنصات لتلك الأصوات التي تملأ الأرجاء وتملك قدرة عجيبة على تهدئة النفوس وإضاءة الروح. يظل قراء القرآن المصريون جزءاً لا يتجزأ من طقوس الشهر الفضيل، حيث ترتبط تلاواتهم بالوجدان الشعبي وتغذي قلوب الصائمين، لتصبح لحظات الاستماع إلى القرآن قبل الفطور بمثابة رحلة روحانية نحو الطمأنينة والإيمان. وحينما يذكر اسم الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، يتبادر إلى الذهن فوراً ذلك الصوت الذي عبر الأزمنة والأماكن، ليكون جسراً ممتداً بين الأرض والسماء، وبين الإنسان وكتاب الله. في عام 1927، وُلد الشيخ عبد الباسط بقرية المراعزة في أقصى جنوب مصر، حيث نشأ في بيئة قرآنية خالصة جعلت من كتاب الله نبراساً وهدفاً.ومنذ أن كان في السادسة من عمره، بدأ يردد آيات الذكر الحكيم بكلمات سلسة تلامس شغاف القلوب، مدهشاً كل من حوله بعذوبة صوته الفطرية وقدرته الفائقة على التحكم في مخارج الألفاظ وسلامة التجويد، ما جعله محط أنظار الجميع ومحل تنبؤات بمستقبل عالمي لم يتأخر طويلاً.في عام 1951، انتقل الشاب الصعيدي الطموح من قريته الصغيرة إلى صخب القاهرة ليبدأ مرحلة فارقة، حيث سجل أولى تلاواته الإذاعية، ليصدح بصوت فريد لم يعهده عالم القراءة من قبل، وكان ذلك إيذاناً ببدء عصر ذهبي لقارئ سيصبح لاحقاً أحد أعظم رموز العالم الإسلامي. لقب "صوت مكة" لم يكن مجرد وصف، بل كان تجسيداً لحنجرة وصلت إلى قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فانتقل الشيخ عبد الباسط بين المحافل والمجالس الدينية في كل ركن من أركان المعمورة.كانت تلاواته تشدو في أروقة المساجد العريقة، وعلى رأسها المسجد الحرام والمسجد النبوي، حيث كانت الجموع تزدحم وتتسمر في أماكنها لتسمع تلك النغمات القرآنية التي تأسر القلوب وتنتزع الآهات خشوعاً.لقد تجاوزت شهرة الشيخ حدود الدول، فكان يحيي ليالي رمضان في أرجاء الأرض، من باكستان وإندونيسيا وصولاً إلى عمق أفريقيا وقلب أوروبا، حيث تجمّع المسلمون في الساحات الكبرى للاستماع إلى تلاوة تمسّ الروح قبل الأذن. رحل الشيخ عبد الباسط عبد الصمد عن عالمنا في الثلاثين من نوفمبر عام 1988، لكن صوته الذي هز كيان السامعين لا يزال حياً في كل آية وكل حرف يبث عبر الأثير. لقد ترك إرثاً لا يمحوه الزمن، مرسخاً مكانته كأعظم قارئ للقرآن الكريم في القرن العشرين، فصوته لم يكن مجرد أداء صوتي بارع، بل كان دعوة للإيمان وتجسيداً لعظمة الروح المصرية التي طوعت الجمال لخدمة الجلال، ليبقى عبد الباسط هو النغمة الأطهر في وجدان الأمة، والرفيق الدائم للمصريين في كل مغرب من أيام الشهر الفضيل. شهر رمضان في مصر ليس مجرد فترة صيام، بل هو رحلة روحانية تتجسد فيها الطقوس المتجددة، ومن أبرزها استماع المصريين لتلاوات قرآن مشايخهم المفضّلين، مع دقات أذان المغرب، تملأ أجواء المنازل والشوارع أصوات القراء الكبار ليصبحوا جزءًا من الروح الرمضانية، هذه الأصوات العذبة التي تلامس القلوب قبل الفطور، أصبحت جزءًا من هوية الشهر الكريم، حيث تمزج بين الهدوء والسكينة، وتعيد للأذهان ذكرى إيمانية طيبة تمس الأعماق، فتجعل كل لحظة من رمضان أكثر تقديسًا.