ريتشارد روبرتس*
على مدى عام كامل، ساد اعتقاد واسع بأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي باتت على المحك، وأن أيامها الأخيرة تقترب.
استند هذا التصور إلى ركيزتين: أولاً، لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية التي قيل إنها تعرضت لضغوط سياسية غير مسبوقة، من هجمات علنية متواصلة إلى تهديدات بالإقالة، بل وحتى تحقيق جنائي من وزارة العدل بحق جيروم باول. وبحسب هذا السرد، فإن الضغط بلغ حداً جعل قرارات البنك المركزي انعكاساً للسياسة لا للاقتصاد.
الركيزة الثانية، أن رئيس الفيدرالي الجديد المتوقع وصوله في مايو 2026، والذي يُرجح على نطاق واسع أن يكون من الموالين لترامب، سيكمل «تسييس» السياسة النقدية.
غير أن الركيزتين تعانيان خللاً واضحاً.
فيما يتعلق بالمحور الأول، تكشف محاضر اجتماع يناير للجنة السوق المفتوحة الخاضعة للسيطرة، أن عدداً من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي طرحوا احتمال رفع أسعار الفائدة إذا واصل التضخم تجاوزه للهدف المحدد، لا الاكتفاء بتقليص وتيرة الخفض. هذه لجنة يُفترض أنها أُجبرت على الخضوع. وإذا كان البنك قد فقد صلابته، فثمة من نسي إبلاغه بذلك.
أما بشأن «الموالي لترامب»، فالأدلة لا تدعم هذا الوصف. فبعد ارتباك أولي في الأسواق، خلص محللون إلى أن ترشيح كيفن وارش يعكس خياراً تقليدياً مستقلاً. والشخص نفسه أكد علناً أن استقلال السياسة النقدية أمر جوهري. أما من عدّه أداة سياسية بيد ترامب، فعل ذلك بلا قرائن راسخة. ومن موقع عملي السابق في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك خلال الأزمة المالية العالمية، لاحظت أن وارش قائد هادئ تحت الضغط، حاد التحليل، عصي على الانجراف وراء تقلبات السياسية.
إذن، سيناريو «نهاية الاستقلالية» يبدو اليوم أبعد كثيراً مما أوحت به العناوين الرئيسية.
لكن المفارقة أن انحسار العاصفة يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل نملك أدلة تجريبية حاسمة على أن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي ضرورة لا غنى عنها؟ أم أننا كررنا المقولة حتى صارت مسلّمة؟
القصة التي يرويها الاقتصاديون واضحة، البنوك المركزية المستقلة تحقق معدلات تضخم أدنى، بينما يؤدي التدخل السياسي إلى إغراءات «عدم الاتساق الزمني»، تيسير نقدي قبل الانتخابات يعقبه تضخم مكلف. وتجربة الخضوع للضغوط السياسية في عهد رئيس الفيدرالي آرثر بيرنز خلال فترة نيكسون تُستحضر مثالاً، إذ انفلت التضخم آنذاك ولم يُضبط إلا بركود قاسٍ. ومن هنا وُلدت عقيدة الاستقلالية.
وجدت الدراسات الكلاسيكية ارتباطاً بين استقلالية أكبر وتضخم أقل. لكنها لم تجد أثراً يُذكر على النمو أو البطالة. بل إن دولاً ذات مؤسسات قوية تميل إلى امتلاك بنوك مركزية مستقلة ونتائج تضخم أفضل لأسباب قد لا ترتبط بالاستقلالية نفسها. وبعد عام 2000، ومع تراجع التضخم عالمياً، ضعفت العلاقة الإحصائية أكثر. الأدبيات ليست صامتة، لكنها بعيدة عن الحسم. ورغم ذلك، تُعامل الاستقلالية كحقيقة نهائية.
العالم المالي في 2026 لا يشبه العالم الذي صيغت فيه تلك النماذج. رؤوس الأموال تتحرك فوراً عبر الحدود. الدولار يرسو عليه نظام الاحتياطيات العالمي. التضخم بات نتاج سلاسل الإمداد بقدر ما هو نتاج عرض النقد المحلي. وأسواق السندات تفرض انضباطها لحظياً، «حراس السندات» لم يختفوا، بل اندمجوا في تدفقات رأس المال العالمية.
لقد بُنيت الحجة لصالح الاستقلالية على عالم لم يعد قائماً. هذا ليس رفضاً لها، بل دعوة لإعادة اختبارها. فماذا ينبغي أن يفعل وارش؟
لدى وارش فرصة نادرة قبل أن يُفسَّر أي نقاش كاستسلام للسياسة. المطلوب ليس فريق عمل داخلي، بل لجنة متوازنة تضم أكاديميين، وممارسين في الأسواق، ومسؤولين سابقين في الاحتياطي الفيدرالي، وأعضاء سابقين في الكونغرس، وباحثين مؤسساتيين، تُكلَّف بالإجابة عن سؤال رئيسي: هل إطار الاستقلالية الحالي مصمم على النحو الأمثل لظروف اليوم؟
ثم تُطرح الأسئلة الجوهرية: هل تدعم الأدلة الدرجة الحالية من الاستقلالية؟ أم أن إطار مساءلة منظم قد يحقق النتائج ذاتها؟ هل ثمة نماذج وسطية، ومتطلبات شفافية معززة، وآليات مراجعة برلمانية رسمية، وبروتوكولات تواصل مُنظمة، تحافظ على المصداقية وتعزز المساءلة الديمقراطية؟ ما الدروس المستفادة من كيفية اختلاف البنوك المركزية النظيرة، كالمركزي الأوروبي، وبنكي إنجلترا واليابان، في هيكلة الاستقلالية؟
الأهم أن تُنشر النتائج مقرونة بآليات تنفيذ، فمراجعة بلا أثر ليست سوى مسرحية.
لا أدعو إلى هدم الاستقلالية، بل إلى إخضاعها لمعيار الصرامة التجريبية الذي يفخر به علم الاقتصاد. إن كانت حقاً لا غنى عنها، فالفحص النزيه سيؤكد ذلك. وإن كانت تحتاج تحديثاً، فالأفضل اكتشافه في زمن هادئ لا في قلب أزمة.
أحياناً يطرح الفيدرالي أسئلة صعبة حول كل شيء باستثناء نفسه. وربما حان الوقت لتغيير ذلك.
*مسؤول سابق في الاحتياطي الفيدرالي وأستاذ الاقتصاد في جامعة مونماوث «ريل كلير ماركيتس».
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
