د. رامي كمال النسور*
في عام 2008 دخل العالم في أخطر أزمة مالية منذ الكساد العظيم. بدأت القصة بطفرة في قروض الرهن العقاري عالية المخاطر في الولايات المتحدة، حيث مُنحت قروض لشرائح ضعيفة الملاءة في ظل سيولة مفرطة وأسعار فائدة منخفضة. تم تجميع تلك القروض داخل أدوات مالية مهيكلة مثل سندات الدين المضمونة CDOs وبيعها لمستثمرين حول العالم بتصنيفات ائتمانية مرتفعة. وعندما ارتفعت معدلات التعثر، انهارت الثقة في النظام المالي، وتجمّدت أسواق الائتمان، وسقطت مؤسسات كبرى مثل«Lehman Brothers»، ليتحوّل اضطراب سوق عقاري إلى أزمة مالية عالمية شاملة.
اليوم، وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً، يعود القلق بصيغة مختلفة. وهذه المرة الأمر لا يتعلق بالرهن العقاري، بل بسوق القروض المرفوعة (Leveraged Loans) وأدوات التوريق المعروفة باسم CLOs (Collateralized Loan Obligations) فهل يمكن أن تكون هذه السوق شرارة أزمة مالية جديدة؟
في البداية فإن القروض المرفوعة هي قروض تُمنح لشركات ذات مديونية مرتفعة أو تصنيف ائتماني دون الدرجة الاستثمارية، وغالباً ما تُستخدم لتمويل عمليات الاستحواذ أو إعادة الهيكلة. ويتم تجميع هذه القروض داخل أدوات استثمارية مقسمة إلى شرائح متعددة المخاطر، بحيث تحصل الشرائح العليا على أولوية في السداد وعائد أقل، بينما تتحمل الشرائح الأدنى مخاطر أكبر مقابل عائد أعلى.
خلال العقد الماضي، تضخم هذا السوق بشكل ملحوظ مستفيداً من بيئة فائدة منخفضة وسيولة عالمية وفيرة. ومع سعي المستثمرين وراء عوائد أعلى، ازدادت شهية المخاطرة، وارتفع حجم الإصدارات إلى مستويات تاريخية. لكن مع التحول النقدي العالمي وارتفاع أسعار الفائدة، بدأت الأسئلة تتزايد حول قدرة الشركات عالية المديونية على خدمة التزاماتها، خصوصاً تلك التي تعتمد على إعادة التمويل المستمر.
ثمة أوجه تشابه مع أزمة 2008 تثير القلق. أولها التوسع الائتماني الكبير في فترة سيولة سهلة، وثانيها انتشار القروض ذات الشروط المخففة (Covenant-lite)، والتي تقلل من القيود المفروضة على المقترضين وتحد من قدرة المقرضين على التدخل المبكر عند تدهور الأداء المالي. كما أن ارتفاع الفائدة يزيد كلفة خدمة الدين، ما يضغط على هوامش الشركات ويزيد احتمالات التعثر في حال تباطؤ الاقتصاد.
ومع ذلك، فإن المقارنة المباشرة مع أزمة 2008 قد تكون مبالغاً فيها. فهناك اختلافات جوهرية بين الأداتين الائتمانيتين والبيئة التنظيمية المحيطة بهما. فالقروض المرفوعة تُمنح لشركات قائمة لديها أصول وتدفقات نقدية تشغيلية، بخلاف قروض الرهن العقاري التي مُنحت لأفراد محدودي القدرة على السداد. إضافة إلى ذلك، تخضع البنوك اليوم لمتطلبات رأسمالية أكثر صرامة بفضل إصلاحات ما بعد الأزمة، ما يقلل من مخاطر العدوى النظامية.
كما أن هيكلية التزامات القروض المضمونة تختلف CLOs عن سندات الدين المضمونة السابقة CDOs من حيث آليات الحماية والتوزيع الهرمي للخسائر، وقد أظهرت الشرائح العليا تاريخياً قدرة أكبر على الصمود حتى خلال جائحة كورونا. كذلك فإن نسبة معتبرة من هذه الأدوات مملوكة لمستثمرين مؤسسيين طويلِي الأجل مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين، وليست متركزة بالكامل في الميزانيات البنكية كما كان الحال قبل 2008.
الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود القروض المرفوعة بحد ذاتها، بل في تراكم المخاطر إذا اجتمعت عدة عوامل في وقت واحد: تباطؤ اقتصادي عميق، استمرار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، ارتفاع معدلات التعثر، وانكماش شهية المستثمرين للمخاطر. في مثل هذا السيناريو، قد نشهد إعادة تسعير حادة في أسواق الائتمان، وارتفاعاً في فروق العائد، وضغوطاً على تقييمات الأسهم، خصوصاً في القطاعات المثقلة بالديون.
وهنا فإن تأثير أي اضطراب واسع في هذا السوق لن يقتصر على الولايات المتحدة أو أوروبا، بل قد يمتد إلى الأسواق العالمية عبر قناة الثقة وكلفة التمويل. فارتفاع علاوات المخاطر ينعكس مباشرة على قدرة الشركات على الاقتراض، ويؤثر على قرارات الاستثمار والتوسع، وربما يؤجل صفقات الاستحواذ والإدراجات العامة. وفي الأسواق الناشئة، قد يؤدي تشدد الائتمان العالمي إلى خروج تدفقات رأسمالية بحثاً عن ملاذات أكثر أماناً.
ومع ذلك، من المرجح أن يكون أي اضطراب محتمل ذا طابع ائتماني أو قطاعي، وليس انهياراً نظامياً شاملاً كالذي شهده العالم في 2008، ما لم يترافق مع فشل مؤسسي كبير يعيد أزمة الثقة إلى قلب النظام المالي. فالنظام المصرفي اليوم أكثر متانة، والرقابة التنظيمية أكثر صرامة، والوعي بالمخاطر أعلى مما كان عليه قبل الأزمة العالمية.
الدرس الذي لا يزال صالحاً منذ 2008 هو أن الأزمات لا تنشأ من أداة مالية بعينها، بل من الإفراط في الرفع المالي وسوء تسعير المخاطر والاعتقاد بأن السيولة دائمة. الأسواق بطبيعتها دورية، ودورات الائتمان تمر بمراحل توسع وانكماش. والسؤال ليس ما إذا كانت المخاطر موجودة فهي دائماً كذلك بل ما إذا كانت مُسعّرة بشكل عادل ومدارة بانضباط.
في ضوء ذلك، يمكن القول: إن احتمال تكرار أزمة بحجم 2008 عبر بوابة القروض المرفوعة ليس مستبعداً تماماً، لكنه في الوقت الراهن يبدو أقل ترجيحاً في ظل المتغيرات التنظيمية والهيكلية الحالية. غير أن استمرار تضخم هذا السوق في بيئة نقدية مشددة يستدعي رقابة دقيقة وحذراً استثمارياً واعياً، لأن التاريخ المالي يثبت أن الهشاشة تتراكم بهدوء... قبل أن تظهر فجأة.
*مستشار في الأسواق المالية والحوكمة والاستدامة.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
