من اغتيال علي خامنئي إلى اشتعال الضاحية والجنوب
ليست كل الاغتيالات سواء، فحين يُغتال مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي، لا يكون الحدث عملية أمنية عابرة، بل زلزالاً سياسياً يعيد ترتيب خرائط القوة في الشرق الأوسط بأكمله.
اغتيال الرجل الذي شكّل لسنوات طويلة ركيزة هندسة الردع الإيراني لم يفتح فراغاً في طهران فقط، بل أطلق موجة ارتدادات عسكرية وسياسية امتدت سريعاً إلى لبنان، حيث اشتعلت جبهة الجنوب، وتعرضت الضاحية الجنوبية لبيروت لقصف مباشر، في مشهد ينذر بانهيار السقوف التقليدية لقواعد الاشتباك.
لبنان لم يعد ساحة خلفية في صراع الآخرين، بل أصبح في قلب المواجهة، يتلقى الصدمة الأولى لمرحلة إقليمية جديدة عنوانها اختبار الأعصاب قبل انفلات النيران.
في طهران، يتقاطع انتقال السلطة مع ضرورة الرد، فاغتيال شخصية بحجم خامنئي يُقرأ كضربة تمسّ شرعية النظام ورمزيته العقائدية، ما يجعل الرد ضرورة سياسية لإعادة تثبيت صورة الردع داخلياً وخارجياً، لكن المعضلة تكمن في طبيعة هذا الرد، إذ إن التصعيد الواسع قد يفتح حرباً إقليمية شاملة، فيما يُفسَّر الرد المحدود كإشارة ضعف في لحظة حساسة.
وهنا يتحول الحلفاء إلى جزء من معادلة التوازن، وفي مقدمتهم حزب الله الذي وجد نفسه أمام لحظة استراتيجية فارقة بين الالتزام العقائدي ومتطلبات الواقع اللبناني المنهك.
ومع تصاعد الاتهامات المتبادلة، اندلعت مواجهات عنيفة بين حزب الله وإسرائيل اتخذت طابعاً انتقامياً مباشراً، ودخل الجنوب اللبناني تحت خط النار، فيما طالت الغارات الضاحية الجنوبية في رسالة واضحة بأن المواجهة لم تعد محصورة في نطاق رمزي أو حدودي، بل باتت تحمل احتمالات توسع خطير.
والقصف المتبادل حمل سمات تصعيد محسوب حتى الآن، غير أن حدته كشفت هشاشة السقف الذي يفصل بين الاشتباك التكتيكي والانزلاق الاستراتيجي، فأي خطأ في الحساب قد يحول المواجهة المحدودة إلى حرب مفتوحة تضرب البنية التحتية والمرافئ والمطار وشبكات الطاقة والقطاع المصرفي الذي يترنح منذ سنوات.
ولبنان الذي يعيش انهياراً مالياً ممتداً منذ 2019 لا يملك ترف خوض حرب استنزاف جديدة، فمجتمعه منهك ومؤسساته هشّة وقدرته على امتصاص الصدمات تكاد تكون معدومة.
في المقابل، تتعامل إسرائيل مع اللحظة باعتبارها فرصة لإعادة ضبط ميزان الردع، فالضربات المكثفة تهدف إلى تثبيت معادلة أن أي تصعيد سيُواجَه بقوة مضاعفة، لكنها تدرك أن الذهاب إلى حرب شاملة مع حزب الله يعني جبهة طويلة ومكلفة تتجاوز الحسابات العسكرية إلى تداعيات سياسية واقتصادية داخلية، ما يجعل المشهد أقرب إلى اختبار أعصاب متبادل تحكمه رسائل نارية تحت سقف قابل للانهيار في أي لحظة.
وعلى مستوى أوسع، برز البعد الدولي سريعاً مع تعزيز المملكة المتحدة حضورها البحري في شرق المتوسط تحت عنوان حماية الملاحة ومنع اتساع رقعة النزاع، وهو تحرك يعكس خشية غربية من تحول المواجهة إلى صراع متعدد الأطراف يهدد خطوط التجارة والطاقة، فكل قوة إضافية في مسرح العمليات تزيد احتمالات الاحتكاك غير المقصود وتوسع نطاق الحسابات الاستراتيجية، ما يجعل لبنان لا يقف فقط بين إيران وإسرائيل، بل عند تقاطع مصالح دولية معقدة.
وحتى في غياب حرب شاملة، بدأت الجبهة الاقتصادية تنزف بصمت، فارتفاع كلفة التأمين البحري واضطراب سلاسل الإمداد وضغوط العملة والمخاوف على التحويلات كلها مؤشرات على أن لبنان سيتأثر فوراً بأي اضطراب طويل، وهو بلد يعتمد على الاستيراد والتحويلات الخارجية ولا يملك هامش امتصاص أزمات جديدة، ما يجعل الاقتصاد خط الدفاع الأخير عن الاستقرار الاجتماعي في ظل هشاشة غير مسبوقة.
اغتيال خامنئي لم يكن حدثاً معزولاً، بل نقطة تحول قد تعيد رسم موازين القوى وتدفع نحو إعادة هندسة التحالفات تحت ضغط القوة والردع، وفي قلب هذه التحولات يقف لبنان أمام سؤال وجودي حاسم: هل يبقى ساحة تتقاطع فوقها حسابات المحاور أم يتمكن من تحييد نفسه وسط عاصفة إقليمية عاتية؟ فالدول الهشة لا تربح الحروب، بل تتحمل كلفتها لعقود، وفي زمن التحولات الكبرى لا يُقاس النفوذ بعدد الصواريخ ولا بحدة الخطابات، بل بقدرة الدول على حماية مجتمعاتها من الانهيار الشامل.
ولبنان اليوم يقف عند حافة دقيقة بين الانجرار إلى مواجهة مفتوحة قد تعمّق جراحه لسنوات طويلة، أو إدارة أخطر انتقال إقليمي بأقل الخسائر الممكنة، وفي شرق أوسط يُعاد رسم خرائطه تحت ضغط الدم والنار، قد لا يكون أعظم إنجاز للبنان أن ينتصر في معركة، بل أن ينجو من حرب لا يحتملها.
(محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث متخصص في الجيوسياسية والصراعات الدولية).
اقرأ أيضاً
لبنان يدخل الحرب.. حزب الله يطلق صواريخ باتجاه شمال إسرائيلالأمين العام لحزب الله تعليقا على مقتل خامنئي: سنقوم بواجبنا في التصدي للعدوان
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة بالبلدي ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من بالبلدي ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
