كتب محمود عبد الراضي
الثلاثاء، 03 مارس 2026 05:18 مفي ليالي رمضان المضيئة، يحرص المصريون على الإنصات لتلك الأصوات التي تملأ الأرجاء قبيل آذان المغرب، حيث تملك قدرة عجيبة على تهدئة النفوس وإضاءة الروح.
يظل قراء القرآن المصريون جزءاً لا يتجزأ من طقوس الشهر الفضيل، تلاحق تلاواتهم المرتلة وجدان الصائمين وتغذي قلوبهم، لتصبح لحظات الاستماع إلى القرآن الكريم قبل الفطور بمثابة رحلة روحانية نحو الطمأنينة والإيمان، وفي قلب هذه الرحلة يبرز اسم الشيخ محمد يوسف البهتيمي، ذلك الصوت الذي لُقب بـ "الكامل" لجمال صوته وطباعه وهيئته الرفيعة.
ولد البهتيمي في السادس من أبريل عام 1922، بعزبة إبراهيم بك التابعة لمركز بهتيم في شبرا الخيمة، لينشأ في كنف بيت يعشق القرآن الكريم، حيث كان والده المقرئ والمحفظ هو الملهم الأول له. وفي كُتّاب القرية، أتم الصبي حفظ كتاب الله في سن مبكرة، وبدأ يخطو خطواته الأولى قارئاً في مسجد قرية الحمرا ببهتيم، ولم يكتفِ بالتلاوة فحسب، بل كان يرفع الأذان للصلوات الخمس بصوت شجي يستشعر قدسية كل حرف في كلمات الله، ليلفت انتباه الجميع بموهبة فطرية نادرة.
كانت نقطة التحول الكبرى في حياته حين التقى بالشيخ محمد الصيفي، المعلم الذي تنبأ له بمستقبل باهر وتبناه فنياً وأخذه معه إلى رحاب القاهرة. وعلى الرغم من تأخره في الالتحاق بالإذاعة خجلاً وتعففاً، إلا أنه وتحت إلحاح معلميه تقدم للاختبارات ونجح بتفوق باهر، ليصبح مقرئاً معتمداً بالإذاعة المصرية في الأول من نوفمبر عام 1953، ومن هنا بدأ صوته يغزو البيوت والقلوب، معلناً عن ميلاد نجم جديد في سماء دولة التلاوة المصرية.
لم تتوقف رحلة البهتيمي عند حدود المحروسة، بل امتدت لتشمل آفاقاً دولية، حيث سافر إلى فلسطين عام 1943 وقضى بها أكثر من ثلاث سنوات، سجل خلالها العديد من التلاوات التي تُعد اليوم من أندر وأجمل الكنوز القرآنية. وعاد بعدها إلى القاهرة ليكمل مسيرته الحافلة عبر تسجيلات نادرة لإذاعات الدول العربية، مما رسخ مكانته كواحد من أبرز القراء في العالم الإسلامي، متميزاً بأدائه الرصين وقدرته الفائقة على التصوير النغمي للآيات.
ورغم أن قطار الحياة توقف بالشيخ البهتيمي سريعاً، حيث توفي في السادس من فبراير عام 1969 عن عمر لم يتجاوز 47 عاماً، إلا أن رحيله كان مهيباً بقدر حياته، حيث نُظمت له جنازة عسكرية رسمية تقدمها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، في مشهد جسد مدى حب وتقدير الدولة والشعب لهذا القارئ الاستثنائي.
وفي ذكرى رحيله، بادر محبوه بتأسيس جمعية لإحياء تراثه في حي عابدين العريق، لتظل تسجيلاته النادرة تصدح في الآفاق، مذكرة الأجيال بصوت "الكامل" الذي رحل جسداً وظل حياً بجميل أثره وعذوبة تلاوته التي تهيم بها الأرواح في كل زمان ومكان.
شهر رمضان في مصر ليس مجرد فترة صيام، بل هو رحلة روحانية تتجسد فيها الطقوس المتجددة، ومن أبرزها استماع المصريين لتلاوات قرآن مشايخهم المفضّلين، مع دقات أذان المغرب، تملأ أجواء المنازل والشوارع أصوات القراء الكبار ليصبحوا جزءًا من الروح الرمضانية، هذه الأصوات العذبة التي تلامس القلوب قبل الفطور، أصبحت جزءًا من هوية الشهر الكريم، حيث تمزج بين الهدوء والسكينة، وتعيد للأذهان ذكرى إيمانية طيبة تمس الأعماق، فتجعل كل لحظة من رمضان أكثر تقديسًا.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
