الارتفاع الصاروخي الذي تشهده أسواق الأسهم في الاقتصادات الناشئة يثير الإعجاب بقدر ما يثير القلق، فحين تقفز أسهم كوريا الجنوبية بنسبة 50% خلال الشهرين الأولين فقط من عام 2026، لا يكون الأمر مجرد موجة صعود عابرة، بل ظاهرة تستحق التوقف عندها، السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن لهذا الزخم أن يستمر، أم أننا أمام فقاعة تتشكل على مهل؟الأرقام الآتية من كوريا الجنوبية تكاد تكون مذهلة. فقد تضاعف مؤشر كوسبي القياسي خلال الأشهر الستة الماضية، وارتفع بنسبة 175% منذ القاع الذي بلغه إبّان فوضى الرسوم الجمركية التي رافقت ما عُرف ب«يوم التحرير» الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إبريل الماضي، ويأتي هذا بعد مكاسب بلغت 75% في عام 2025 وحده.وعند التعمق أكثر، نجد أن أسهم عملاق التكنولوجيا الكوري «سامسونغ إلكترونيكس»، أكبر مُصنّع لرقائق الذاكرة في العالم، قد تضاعفت هذا العام، وتجاوزت ثلاثة أضعاف قيمتها في ستة أشهر فقط. هذه ليست حركة سوق عادية، بل إعادة تسعير شاملة لدور كوريا في الاقتصاد الرقمي العالمي.التدفقات الرأسمالية إلى سيول لم تأتِ من فراغ. إصلاحات ضريبية وتنظيمية صديقة للأسواق، طفرة في صناعة أشباه الموصلات، وتقدم متسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، جميعها عوامل جذبت المستثمرين. ونتيجة لذلك، بلغ الوون الكوري أعلى مستوياته مقابل الدولار في أربعة أشهر، كما دفعت القفزة شبه الرأسية لمؤشر كوسبي الأوضاع المالية إلى أكثر مستوياتها تيسيراً منذ أن أطلق بنك غولدمان ساكس مؤشره للأوضاع المالية في كوريا الجنوبية قبل 24 عاماً.سرعة الارتفاع قد توحي بمضاربات محمومة، وربما لعب عامل «الخوف من فوات الفرصة» دوراً ما، لكن الصورة أعمق من ذلك، فالمؤشر الكوري يتداول حالياً عند أدنى مضاعف ربحية متوقعة خلال 12 شهراً منذ يونيو. بعبارة أخرى، كثير من المستثمرين لا يراهنون على موجة عاطفية، بل على نمو قوي في الأرباح مستقبلاً.صحيح أن كوسبي يبدو حالة استثنائية من حيث حجم المكاسب، لكنه ليس شاذاً من حيث الاتجاه. فمؤشرا الأسواق الناشئة وآسيا (باستثناء اليابان) التابعان ل«إم إس سي آي» ارتفعا بنحو 15% هذا العام، فيما صعدت مؤشرات تايوان والبرازيل بنحو 25% و20% على التوالي.تؤدي تايوان، موطن أكبر مُصنّع للرقائق المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، شركة «تي إس إم سي»، دوراً محورياً في سلسلة التوريد العالمية لشركات مثل «إنفيديا» و«أبل»، وليس من المستغرب أن ترفع تايوان توقعاتها لنمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026 إلى 7.7% بعد أن كانت 3.5% فقط في نوفمبر، تعديل مذهل في أشهر معدودة.هذه التطورات تقوض، تدريجياً، سردية «الاستثنائية الأمريكية» التي قامت على تفوق الولايات المتحدة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، الفجوة تضيق، آسيا تصعد بسرعة. والمستثمرون يعيدون توزيع أموالهم تبعاً لذلك.وأظهر أحدث استطلاع لمديري الصناديق العالميين لدى «بنك أوف أمريكا» تسارعاً ملحوظاً في التحول من الأسهم الأمريكية إلى أسهم الأسواق الناشئة في فبراير، حيث باتت مراكز المستثمرين في هذه الأسواق عند أعلى مستويات زيادة الوزن النسبي منذ خمس سنوات.وذهب محللو «تي إس لومبارد» أبعد من ذلك، برفع مخصصاتهم لأسهم الأسواق الناشئة إلى أعلى مستوى على الإطلاق، وهي الآن تعادل ضعف مخصصاتهم للأسهم الأمريكية، تفاؤلٌ لم يُسجل منذ أكثر من عقدين.هل نحن أمام فقاعة جديدة؟ ربما، فالتفاؤل المفرط غالباً ما يكون نذير تصحيح قاسٍ، لكن إن كان التحول العالمي نحو الذكاء الاصطناعي ما يزال في بداياته، ومبيعات وتوقعات إنفيديا الأخيرة تعزز هذا الطرح، فإن إعادة توزيع الاستثمارات بعيداً عن الولايات المتحدة تبدو منطقية استراتيجياً.من الناحية المالية أيضاً، تبدو الحجة قائمة، فعلى الرغم من تقلص الفارق في التقييم بين مؤشر «إس آند بي 500» ومؤشر «إم إس سي آي» للأسواق الناشئة هذا العام، فإنه لا يزال مرتفعاً تاريخياً. بمعنى آخر، لا تزال أسهم الأسواق الناشئة رخيصة نسبياً رغم تفوقها في الأداء مؤخراً.يضاف إلى ذلك سياق اقتصادي عالمي داعم: دولار أضعف، استقرار في سوق سندات الخزانة الأمريكية، واحتياطي فيدرالي يميل إلى التيسير. في ظل هذه البيئة، قد تظل التدفقات الرأسمالية نحو الأسواق الناشئة مستمرة.نعم، التحول كان حاداً وسريعاً، لكن الحكم عليه بأنه بلغ مداه قد يكون سابقاً لأوانه، فطالما بقيت قصة الذكاء الاصطناعي في طور التوسع، واستمرت الاقتصادات الآسيوية في ترجمة التفوق الصناعي إلى أرباح حقيقية، فإن موجة الصعود، رغم سخونتها، قد لا تكون سوى بداية إعادة تموضع هيكلية في خريطة الاستثمار العالمي.