تشهد سوق الغاز الطبيعي تحولات عنيفة خلال الأيام المقبلة مع إغلاق مضيق هرمز وتوقف إمدادات منطقة الخليج، خاصة قطر التي تمتلك أكبر محطة بالعالم لإنتاج الغاز الطبيعي المسال، ليصبح الملعب حاليًا مفتوحا لقوتين أساسيتين في الإنتاج هما أمريكا وروسيا.
مع الإعلان عن إغلاق مضيق هرمز، ارتفع سعر الغاز الأوروبي (الغاز الهولندي) بأكثر من 30% خلال تعاملات الثلاثاء، مقابل 40% الاثنين ليبلغ إجمالي مكاسبه في يومين 70%، ليتجاوز 65 يورو لكل ميجاواط/ ساعة، قبل أن يتراجع قليلاً، ليصل إلى حوالي 56 يورو لكل ميجاواط/ ساعة.
يمر بمضيق هرمز ما يقرب من 20 مليون برميل من النفط يوميًا، تمثل خمس استهلاك العالم من الوقود، فيما خطوط الأنابيب التي أسستها الدول الخليجية لتجاوز إمكانية إغلاق المضيق، محدودة الطاقة الاستيعابية.
على مدار الأيام الثلاثة الماضية، لم تهدأ اتصالات المشترين الآسيويين للغاز الطبيعي، الذين يستوردون 25% من احتياجاتهم من الغاز الطبيعي المسال من قطر، بالموردين للاستفسار عن توفر شحنات بديلة، أما المفوضية الأوروبية فقالت، إنها ستشكل فريق عمل معنيا بالطاقة بالتعاون مع الدول الأعضاء، وبالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية، ومن المتوقع عقد اجتماعه الأول هذا الأسبوع.
كيف تتعامل الدول المستوردة؟
تأتي الهند في مقدمة المتضررين من التغيرات الحادة بسوق الغاز الطبيعي، إذ تستورد 90% من نفطها الخام من الخارج، وأكثر من 40% من تلك النسبة تم عبر مضيق هرمز.
خفضت الهند، الثلاثاء، إمدادات الغاز الطبيعي لعدد من الصناعات بعد توقف قطر عن إنتاج الغاز الطبيعي المسال، وتأتي الخطوة في ظل استعداد الشركات لنقص محتمل في الإمدادات من الشرق الأوسط وسط تصاعد التوترات في المنطقة.
تعتمد الهند، رابع أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم، اعتمادًا كبيرًا على الواردات من الشرق الأوسط، وأي اضطراب في هذه المنطقة يؤثر بشكل مباشر على الإمدادات المحلية، ما دفع السطات لتخفيضات في الإمدادات تتراوح بين 10 و30%.
ولمعالجة النقص، تخطط شركات من بينها شركة النفط الهندية (IOC) وشركة غاز الهند المحدودة (GAIL) وشركة بترونيت للغاز الطبيعي المسال لطرح مناقصات فورية لشراء شحنات إضافية من الغاز الطبيعي المسال، إلا أن هذا قد يترتب عليه تكلفة أعلى، إلى جانب تكاليف الشحن والتأمين.
الصين هي الأخرى من كبار المتضررين لمرور 40% من احتياجاتها من مضيق “هرمز”، ورغم تحالفها مع إيران، إلا أن المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينج دعت لضمان سلامة الملاحة في المضيق، وتمارس ضغوطًا على المسئولين الإيرانيين سرًا، تحثهم على تجنب أي إجراء من شأنه تعطيل صادرات الغاز القطري أو شحنات الطاقة الأخرى التي تعبر المضيق.
قطر تُزوّد الصين وحدها بنسبة 30% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال، وهي نسبة كبيرة حتى مع احتساب الإنتاج الواصل عبر خطوط الأنابيب ومن مصادر أخرى، لكن بكين تمتلك أيضًا مخزونات جيدة، وبديل يتمثل في الغاز الروسي
من المتوقع أن ترتفع شحنات الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب، فموسكو وبكين سبق لهما الاتفاق على زيادة تدفقات الغاز السنوية عبر المسار الأصلي بمقدار 6 مليارات متر مكعب إضافية، ليصل إجمالي الشحنات إلى 44 مليار متر مكعب سنويًا، كما أيّد الجانبان مشروع خط أنابيب “قوة سيبيريا 2” المقترح، والذي يُمكن أن يُوفّر في نهاية المطاف 50 مليار متر مكعب إضافية من الغاز الروسي سنويًا عبر منغوليا.
كما وافقت الصين على زيادة وارداتها عبر خط أنابيب منفصل من جزيرة سخالين الروسية في أقصى الشرق، ما يرفع الكميات المتعاقد عليها إلى 12 مليار متر مكعب سنويًا، بعد أن كانت 10 مليارات متر مكعب متفق عليها سابقًا، ومن المتوقع أن يبدأ تشغيل هذا الخط في عام 2027.
أوروبا في موقف صعب
تواجه أوروبا أزمة كبيرة حاليًا، فتعطل الإمدادات الخليجية إلى آسيا، سيدفع المشترين للبحث عن شحنات بديلة، مما يزيد من المنافسة العالمية على الغاز الطبيعي المسال، الأمر الذي يدفع الأسعار إلى الارتفاع بجميع أنحاء العالم بما في ذلك أوروبا.
أصبحت قطر، ثالث أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال مورداً بالغ الأهمية لأوروبا، منذ أن أجبر الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 الدول الأوروبية على تقليل اعتمادها على الغاز الروسي المُعبأ عبر الأنابيب، وذلك بعد الولايات المتحدة وأستراليا.
ما يزيد الطين بلة هو انخفاض مستويات تخزين الغاز في أوروبا لأقل من 30% من سعته مع اقتراب موسم التدفئة الشتوية من نهايته، مقارنةً بنحو 40% في الفترة ذاتها من العام الماضي، وتُعد ألمانيا وفرنسا، أكبر اقتصادين في الاتحاد، من بين الدول الأكثر عرضةً للخطر.
بلغت نسبة امتلاء مرافق تخزين الغاز في ألمانيا 20.5%، بينما بلغت في فرنسا 21%، وفقاً لبيانات من مؤسسة البنية التحتية للغاز في أوروبا، ويجعل انخفاض الاحتياطيات الدول أكثر عرضةً لانقطاعات الإمداد وتقلبات الأسعار، لا سيما إذا ما ازدادت حدة تقلبات أسواق الغاز الطبيعي المسال العالمية.
أزمات المنطقة مكسب للروس
في ظل تلك الأزمات تظهر روسيا كمستفيد أول، فتصدع خريطة الطاقة العالمية يصب لمصلحة موسكو التي تنظر حاليا لحالة الذعر التي تعيشها المصانع الأوروبية، والتي ستخلق ضغطًا شعبيًا من شأنه أن يرغم القادة الأوروبيين على العودة إلى أحضان الغاز الروسي مجددا، ويجبرهم بذات الوقت على الرضا بالأسعار التي تفرضها موسكو.
الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي قد تضطر لتغيير موقفها الرسمي الذي أعلنته في يناير الماضي بوضع لائحة للتخلص التدريجي من واردات الغاز الروسي، سواءً الغاز المنقول عبر الأنابيب أو الغاز الطبيعي المسال، إلى الاتحاد الأوروبي. وتشمل القواعد الجديدة أيضًا تدابير بشأن المراقبة الفعالة وتنويع مصادر الطاقة.
اللائحة نصت على حظر استيراد الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال إلى الاتحاد الأوروبي وإخضاع العقود القائمة لفترة انتقالية، على أن يبدأ تطبيق حظر كامل على واردات الغاز الطبيعي المسال، اعتبارًا من بداية عام 2027، وعلى واردات الغاز عبر خطوط الأنابيب، اعتبارًا من خريف عام 2027.
يفترض أن تضع دول الاتحاد الأوروبي خططا وطنية لتنويع إمدادات الغاز وتحديد التحديات المحتملة في استبدال الغاز الروسي. ولتحقيق هذه الغاية، سيُطلب من الشركات إخطار السلطات والمفوضية الأوروبية بأي عقود غاز روسي متبقية، كما سيتعين على دول الاتحاد الأوروبي التي لا تزال تستورد النفط الروسي تقديم خطط تنويع.
رغم انخفاض واردات النفط إلى أقل من 3% في عام 2025 نتيجةً لنظام العقوبات الحالي، لا يزال الغاز الروسي يُمثّل ما يُقدّر بنحو 13% من واردات الاتحاد الأوروبي في عام 2025، بقيمة تتجاوز 15 مليار يورو سنويًا، وهذا يُعرّض الاتحاد الأوروبي لمخاطر كبيرة، فيما يتعلق بأمنه التجاري والطاقة.
كيف تستفيد أمريكا من الأزمة؟
تُعدّ الولايات المتحدة أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وشركاتها على وشك جني ثمار الارتفاع الكبير في أسعار الغاز الطبيعي العالمية في أعقاب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران وتصاعد الصراع في الشرق الأوسط.
أظهرت بيانات أولية صادرة عن شركة LSEG المالية، أن صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال ارتفعت بأكثر من 17% الشهر الماضي مقارنةً بالعام الماضي، لكن توجد بالفعل مؤشرات على زيادة الإنتاج في مارس، مما يُعزز قدرتها على سدّ أي نقص في الإمدادات في ظلّ تعطل صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر؛ بسبب الحرب الإيرانية.
في فبراير، صدّرت الولايات المتحدة 9.94 ملايين طن متري من الغاز فائق التبريد، بزيادة 8.2 ملايين طن للفترة نفسها من عام 2025، وفقًا للبيانات الأولية، وصدّرت الولايات المتحدة 7.66 ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، أي ما يعادل 77% من إجمالي مبيعاتها، مقارنةً بـ 9.46 ملايين طن، أي 83% من الإجمالي في يناير، وفقًا لبيانات تتبع السفن الصادرة عن مجموعة بورصة لندن.
كما ارتفعت الصادرات إلى آسيا إلى 970 ألف طن، أي ما يزيد قليلًا عن 9.7% من إجمالي صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال، مقارنةً بـ 690 ألف طن، أي حوالي 6% من الإجمالي في يناير، وزادت الصادرات إلى أمريكا اللاتينية بشكل طفيف إلى 520 ألف طن، من 490 ألف طن في يناير.
ما موقف مصر؟
اشترت مصر، التي تحولت من مُصدِّر صافٍ للغاز الطبيعي المسال إلى مُشترٍ رئيسي؛ بسبب نقص الغاز الطبيعي، 500 ألف طن في فبراير من أمريكا، وهي نفس الكمية التي اشترتها في يناير ، وفقًا للبيانات الأمريكية.
تأثرت مصر بشكل كبير في ظل توقف الغاز القادم من إسرائيل، خاصة أن احتياجات مصر من الغاز تبلغ قرابة 6.2 مليارات قدم مكعبة يومياً، فيما يصل إنتاجها اليومي نحو 4.2 مليارات قدم مكعبة.
ووقعت مصر وإسرائيل في أغسطس الماضي اتفاقية لتمديد توريد الغاز لمصر مع زيادة للكميات الموردة إلى 130 مليار متر مكعب، طوال 15 عامًا، وتتم الزيادة عبر مرحلتين، الأولى بنحو 20 مليار متر مكعب، تدخل حيز التنفيذ فورًا، والثانية بمقدار 110 مليارات متر مكعب مشروطة بتنفيذ استثمارات توسعة حقل ليفياثان.
وتعتزم وزارة البترول والثروة زيادة وارداتها من الغاز المسال بنحو 20 شحنة جديدة بداية من شهر مارس 2026، بعد توقف إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر.
يزيد توقف الإمدادات القادمة من إسرائيل من الأعباء على الموازنة المصرية؛ لأنه يؤدي إلى زيادة الاعتماد على الغاز المسال، ما يرفع تكلفة مزيج الغاز المستخدم في مصر بنسبة تتراوح بين 10% و15%.
في السياق ذاته، أوقفت مصر ضخ نحو 350 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميًا لصالح شركتي شل وبتروجاس المخصص للتصدير عبر مصنع إدكو للإسالة، بعد توقف الإمدادات القادمة من حقلي تمار وليفياثان في شرق المتوسط، كما قررت وقف ضخ نحو 100 مليون قدم مكعب يوميًا إلى كل من سوريا ولبنان عبر خط الغاز العربي.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة بالبلدي ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من بالبلدي ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
