حين يعلن مدفع الإفطار لحظة الفرح، ويقترب الغروب في رمضان، لا تسبق الشمسَ إلى الغياب إلا قلوب الأطفال، تقف أعينهم معلّقة بالسماء، وأرواحهم على أطراف الانتظار، يخفق القلب الصغير مع كل ثانية تمرّ، وفي تلك اللحظة الفاصلة بين الصبر والفرح، يأتي صوت مدفع الإفطار، لا دويّاً عابراً، بل نبضة حياة تهزّ المكان، وتفتح أبواب البهجة في قلوبٍ لا تعرف إلا الصدق. بعيون الأطفال، يصبح رمضان حكاية انتظار طويل يعقبه فرحٌ لا يشبهه فرح، حكاية مدفعٍ يعلن كل مساء أن السعادة وُلدت من جديد. في ساحة الوصل بمنطقة «إكسبو»، وفي تجمع عشرات الجنسيات، تتجمع الأسر ليشاهدوا لحظة إطلاق مدفع الإفطار، وتلك الفرحة ليست للكبار فقط بل للصغار أيضاً. يأتي كل عام حاملاً معه أجواء خاصة لا تشبه أي وقت آخر، فهو شهر العبادة والروحانية، وفي الوقت نفسه شهر الفرح والتآلف الاجتماعي، ومن بين أبرز مظاهر هذا الفرح التي ارتبطت برمضان عبر الأجيال، يظل مدفع رمضان رمزاً أصيلاً ينتظره الجميع، خاصة الأطفال، بلهفة، وقبل موعد الإفطار بدقائق، تبدأ ملامح الحماسة بالظهور على وجوه الأطفال، وحضور مراسم إطلاق المدفع مع فعاليات وأنشطة لكل أفراد الأسرة، بينها الحكواتي والمسحراتي والعروض المسرحية، فتراهم يتجمعون ويحدقون في الأفق منتظرين لحظة إطلاق المدفع ترتفع أصواتهم وهم يرددون ببراءة: «ارمي... ارمي»، وكأنهم يشاركون في صنع هذه اللحظة السعيدة. بالنسبة لهم، المدفع ليس مجرد وسيلة لإعلان موعد الإفطار، بل حدث يومي ينتظرونه بشغف. وعندما ينطلق صوت المدفع، تعمّ الفرحة قلوب الأطفال، فيقفزون مبتهجين، وتتعالى ضحكاتهم، وتنتشر البهجة في المكان. ويشعرون في تلك اللحظة بأنهم حققوا انتصاراً، بعد يوم طويل من الانتظار، هذا الصوت القوي، الذي قد يبدو عادياً للكبار، يحمل في نفوس الصغار معاني الفرح والدهشة، ويرتبط لديهم بمائدة الإفطار، ولمّة الأسرة، والدعاء قبل تناول الطعام. وكما يُسهم مدفع رمضان في غرس روح الانتماء إلى العادات والتقاليد الأصيلة في نفوس الأطفال، فهو يربطهم بتاريخ طويل من العادات التي حافظ عليها المجتمع عبر السنين، ويجعلهم يشعرون بأنهم جزء من هذا التراث الجميل، وبهذه التجربة اليومية، يتعلم الأطفال الصبر، وانتظار الوقت المناسب، والفرح بمشاركة الآخرين. الأجواء المحيطة ولا تقتصر فرحة الأطفال بمدفع رمضان على لحظة إطلاقه فقط، بل تمتد لتشمل الأجواء المحيطة به، فبعد سماع صوته، يهرع الأطفال إلى منازلهم، يتسابقون لإخبار أهلهم، ويشاركون في تجهيز مائدة الإفطار، في جو يسوده الحب والتعاون. وهكذا يتحول المدفع إلى نقطة تجمع بين أفراد الأسرة، ومصدر سعادة بسيطة لكنها عميقة الأثر. وفي عصر التكنولوجيا الحديثة، ومع انتشار الساعات الرقمية والتطبيقات التي تحدد مواعيد الإفطار بدقة، ما زال مدفع رمضان محتفظاً بمكانته في قلوب الأطفال. فهو يذكّرهم بأن للفرح طعماً خاصاً حين يكون مرتبطاً بالتقاليد والذكريات المشتركة، لا بالأجهزة والشاشات فقط. وتبقى فرحة الأطفال بمدفع رمضان صورة صادقة لبهجة الشهر الكريم، ودليلاً على أن أجمل اللحظات هي تلك التي نعيشها بقلوب بسيطة وسيظل صوت المدفع، بالنسبة للأطفال، إعلاناً يومياً عن الفرح، وذكرى جميلة ترافقهم طوال حياتهم كلما عاد شهر رمضان المبارك.