دقّت ساعة الجنوب اللبناني، معلنةً دخول البلاد لحظة فاصلة لم تعرفها خلال حرب الإسناد. لم يكن إطلاق صواريخ «حزب الله» ليل الأحد الماضي، نحو شمالي إسرائيل، عملاً انتقامياً لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، بل إعلان عملي بانتهاء المعادلة التي حكمت العلاقة بين الدولة اللبنانية والحزب على المستويات كافة، وإنهاء مفاعيل اتفاقية وقف إطلاق النار المعمول بها منذ 2024. القرى والبلدات الواقعة على خط الليطاني أصبحت اليوم مسرحاً لتوتر عسكري غير مسبوق، بينما تتقدم إسرائيل بخطوات برية وإستراتيجية أكبر، وفق ما أكده وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تشمل التوغل البري، إخلاء أكثر من 52 بلدة، طالت عمق الجنوب، في خطوة تتجاوز الاعتبارات الأمنية الآنية إلى إعادة رسم واقع ميداني جديد، بما يشبه احتلالاً مدروساً يهدف إلى فرض معادلة دائمة على الأرض. في هذه اللحظة، ومع تشابك المعادلة العسكرية بالسياسية، يصبح السؤال الأكبر: ما الثمن الذي ستدفعه الدولة اللبنانية بفعل مقامرة «حزب الله» إذا استمر التصعيد؟ المشكلة لم تكن في اختلاف تقدير أو سوء قراءة، فما جرى بدّل قواعد اللعبة. المناخ اللبناني السياسي الذي سبق التصعيد كان يميل إلى تجنب انخراط «حزب الله» المباشر، والرهان كان على إبقاء البلاد خارج المواجهة الكبرى. لكن ما حدث أن الحزب اتخذ قرار إطلاق الصواريخ، وقلب المعادلة فارضاً واقعاً جديداً على الجميع، الحلفاء قبل الخصوم. هنا تحديداً بدأت اللحظة الفاصلة: لم يعد ممكناً الاستمرار في معادلة الغموض، ولا في الفصل النظري بين الدولة والسلاح. رد فعل الحكومة كان غير مسبوق. قرار حظر النشاط العسكري والأمني للحزب لم يكن إجراءً تقنياً، بل إعلان سياسي بأن قرار الحرب والسلم لا يمكن أن يبقى خارج الشرعية. هذه الخطوة، مهما تأخر صدورها، وضعت خطاً فاصلاً للمرة الأولى بهذا الوضوح. لم تسقط الدولة، بل اضطرت إلى تعريف نفسها من جديد، وأن تقول إن ما فعله «حزب الله» خارج عن شرعيتها. ولأن السياسة لا تجري في الفراغ، قرأت إسرائيل اللحظة بطريقة مختلفة تماماً. بالنسبة لها، ما حدث ليس مجرد فعل انتقامي، بل فرصة لإعادة تشكيل الواقع الحدودي وفق مخطط إستراتيجي مدروس. التوغل البري الذي بدأته ليس خطوة لحظية، بل جزء من خطة شاملة لضمان السيطرة على الجنوب ومنع أي تهديد مستقبلي على المستوطنات الحدودية، مع توسيع نطاق النفوذ وإعادة فرض المعادلة الأمنية بما يخدم مصالحها على الأرض. بهذا المعنى، لم يعد السؤال ما إذا كانت إسرائيل ستتوقف عند حدود الرد، بل أي واقع ستسعى إلى تثبيته على الأرض. فالتوغل البري حين يبدأ لا يكون خطوة معزولة، بل مقدمة لمسار سياسي وأمني متكامل. ومن هنا تتبلور ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل الجنوب اللبناني، لكل منها كلفته وحدوده وتداعياته: السيناريو الأول: يتمثّل في تثبيت واقع ميداني دائم جنوب الليطاني. ليس بالضرورة عبر إعلان رسمي عن احتلال، بل من خلال انتشار طويل الأمد وتوسيع نطاق العمليات، ومنع عودة السكان إلى عدد كبير من البلدات بحجة الضرورات الأمنية. هذا النوع من الوقائع يصنع حقائق تتجاوز أي تفاوض لاحق، ويضع الدولة أمام أمر واقع جغرافي وأمني. السيناريو الثاني: يتعلق بطبيعة التفاوض نفسه. إسرائيل ستدفع باتجاه مفاوضات أمنية مباشرة، متحررة من الأطر السابقة، لفرض ترتيبات ملزمة تتعلق بانتشار الجيش اللبناني وحصرية كل أنوع السلاح. في ظل قرار الحظر الصادر عن الحكومة، يمكن لتل أبيب أن تقول إن المشكلة ليست مع الدولة، بل مع تنظيم أصبح خارج القانون اللبناني، ما يمنحها هامشاً أوسع للمطالبة بضمانات صارمة. السيناريو الثالث: فهو توسيع دائرة الضغط نحو البقاع، إذا رأت إسرائيل أن حسم الجنوب لا يكفي لتغيير المعادلة. نقل مركز الثقل إلى العمق يعني أن الحرب لن تبقى حدودية، وهذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة على لبنان ككل، لكنه يبقى مطروحاً في الحسابات الإسرائيلية. فرض ترتيبات مختلفة على لبنان إلى جانب البُعد العسكري، هناك بعدٌ سياسيٌّ لا يقل خطورة. فقد تسعى إسرائيل إلى استثمار قرار الحكومة اللبنانية بحظر النشاط العسكري للحزب لتقول أمام المجتمع الدولي إن الدولة نفسها أقرت بوجود قوة مسلحة خارج شرعيتها، وإن المشكلة ليست عدواناً إسرائيلياً، بل عجز لبناني عن ضبط قرار الحرب والسلم داخل أراضيه. إذا ترسخ هذا الخطاب دولياً، فإن النقاش لن يتركز على وقف العمليات فقط، بل سيتحول إلى فرض ترتيبات مختلفة على لبنان كتقديم ضمانات إضافية، وتوسيع دور الرقابة الدولية جنوب الليطاني، وفرض قيود على حركته تحت عنوان الاستقرار. الواقع الآن واضح: الجنوب اللبناني قد يتحول إلى ساحة تُرسم فيها توازنات جديدة، والمسألة لم تعد كيفية إدارة التصعيد، بل من يملك حق تحديد مستقبل الجنوب: الدولة، أم الوقائع التي تُفرض تحت النار؟