فن / اليوم السابع

أميرة مكاوى تكتب: صحاب الأرض وأصحاب القضية

كان لا بد لهذه السيرة أن تخلد في عمل فني يليق بها.. سيرة شعب غزة الذي يعيش حياة القهر والظلم، ويواجه عدوانا مجردا من الإنسانية والعقل، ويمشي صامدا فاتحا صدره للرصاص والحياة معا.. وسيرة ""، التي حملت وحدها هم الأرض وأصحابها، وتحملت لأجل هذه الأمانة ما لا يحتمله إلا "صحاب الأرض" فعلا.

وجاء المسلسل الذي كتبه "عمار صبري" و"محمد هشام عبية" وأخرجه "بيتر ميمي" تحفة فنية رائعة تليق بعظمة المشهد الإنساني الذي تعبر عنه، سواء على الجانب الشرقي من المعبر أو من جانبه الغربي.

بلغ "بيتر ميمي" مرحلة النضج الفني واكتمال الصنعة، حيث يمكن أن نعتبر "صحاب الأرض" أفضل أعماله حتى الآن، ونجح في رسم صورة واقعية حد الإيلام، وأدار الحالة الإنسانية في الظروف غير الإنسانية، ورسم لوحة تستخلص الجمال من عين الغبار والدخان، ووسط أجواء الحرب التي هي أقبح ما ينتج البشر.

وساعده في ذلك إبداع مصمم الديكور "محمد أمين" الذي وضعنا في نسخة حية من المأساة، رغم أن المسلسل صُوّر في مدينة الإنتاج الإعلامي، والعدسة الرشيقة لمدير التصوير "حسين عسر".

أبدأ قراءة شخصيات "صحاب الأرض" من عند "إبراهيم"، العجوز الفلسطيني المصاب بالألزهايمر الذي يفترس ذاكرته، وينسيه كل شيء إلا الأرض، يذكر جغرافيتها، ولا تغيب عن رأسه معالمها، حتى بعد أن محت قنابل العدو كل المعالم.

لعب "كامل الباشا" هذه الشخصية باقتدار عجيب، وقدم صورة رمزية للتمسك بالقضية، معبرا عن تحدي التقادم والنسيان لمسألة الأرض والحق في البقاء والعودة.

ثم "ناصر"، الفلسطيني الذي قام بدوره "إياد نصار" في واحد من أفضل أداءاته على مدار تاريخه، وهو رجل خسر عائلته بالكامل في القصف الغادر، لكنه حرم من رفاهية الانهيار حزنا على أهله، ومن رفاهية القلق على بناته في الضفة، حتى بعد اعتقال العدو لإحداهن للضغط عليه، ويخوض رحلة شاقة في محاولة لإنقاذ طفل صغير من الموت.

وعلى خيط رقيق بين البسالة والعجز، قدمت "منة شلبي" شخصية الطبيبة المصرية "سلمى"، وهي وجه من أوجه المساعدات الإنسانية التي قدمتها مصر لنصرة إخوتنا في القطاع المنكوب، وأحسنت "منة" – كعادتها – التعبير عن الشخصية بأداء شديد الحساسية، رغم أنها التزمت بوجه جامد الملامح، متأثر بالصدمة وخيبة الأمل في الإنسانية، وهذا شأن معتاد في العاملين بمجال الإنقاذ وسط الكوارث والحروب ما يشهدون من فظائع محرقة للمشاعر.

أما "عصام السقا"، فكان دور سائق الشاحنة المصري العالق في غزة، والمصمم على الرجوع إلى مصر للعودة بمزيد من المساعدات، هو بالتأكيد أفضل أدواره، ببساطة لأنه كان معبرا عن "الشخصية المصرية" في الإجمال، بكل ما تحمل من بساطة وعفوية وخفة ظل وشهامة وفداء.

"صحاب الأرض" وثيقة تاريخية خالية من الشعارات الصداحة، مرر فيها صناعها كل ما أرادوا من قصص المعاناة الفلسطينية، وقصص المساندة المصرية.

لو كان المقصود منه أن يكون عملا فنيا خالصا لوجه الفن، فقد كان كذلك عملا فنيا مبدعا على أي معيار قسناه، ولو كان هدفه توثيق مأساة الشعب الفلسطيني، أو أن يكون رسالة سياسية موجهة، فقد كان وثيقة حادة، واضحة، ومؤثرة.

لكن أجمل ما في "صحاب الأرض" هو أنه يكاد يكون أول عمل ذا طابع سياسي ينجو بشكل كامل من آفة المباشرة والتصريح، وينجح تماما في تحقيق أثره السياسي والاجتماعي دون أن يخسر طبيعته الفنية الخالصة والجيدة.
وليس غريبا أن يحقق المسلسل نجاحا لم تشهده المسلسلات الوطنية منذ الجزء الأول من مسلسل "الاختيار".

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا