محمد عبد الرحمن
الأحد، 08 مارس 2026 01:00 صفي زمن تتداخل فيه الأقنعة وتختلط فيه القيم، وتتشابه فيه الوجوه وتتقارب المظاهر، حتى أصبح التفريق بين الطيب والشرير امراً مربكاً، ويغدو الإنسان فيه شيئًا قابلًا للتشييء والتسليع، لم يعد الفرد أكثر من رقم داخل منظومة اجتماعية واقتصادية ضخمة.
في مثل هذا السياق لم يعد العمل الفني مجرد صيغة جمالية أو وسيلة للترفيه، بل تحوّل إلى مرآة يتعرّى أمامها الجميع، وتنكشف من خلالها هشاشة الروابط الاجتماعية وتصدعاتها العميقة، فالعالم الذي نعيش فيه لم يعد بسيطًا أو واضح المعالم؛ فمن يبتسم في وجهك قد يحمل خنجرًا يطعنك به بعد لحظات، وبينما نمارس حياتنا اليومية كأن كل شيء طبيعي، تتسلل إلى المجتمع فجوات واسعة من الشك وانعدام الثقة.
من هذا المنطلق يمكن النظر إلى مسلسل عين سحرية، من إخراج السدير مسعود وبطولة عصام عمر وباسم سمرة، ويدور حول محامٍ مأزوم حُبس ظلمًا بسبب نزاهته، ليخرج إلى عالمٍ لم يعد يعترف به؛ مطاردًا بسمعة أُلصقت به ظلمًا، يعيش معزولًا اجتماعيًا وعاطفياً بعدما انفضّت عنه زوجته وابنته. وفي مسارٍ موازٍ يلتقي بـ عادل مهندس يعمل فنيًا لتركيب كاميرات المراقبة، يعاني بدوره اغترابًا اجتماعيًا ونفسيًا، هربًا من إرث والده الذي مات في السجن في قضية تمس نزاهته، ومن ظروفه المعيشية القاسية.
منذ العتبة الأولى/ العنوان، يبدو المسلسل مباشرًا في دلالته: “عين سحرية”، غير أن هذه المباشرة تخفي وراءها مستويات رمزية متعددة؛ فما المقصود بتلك العين؟ هل هي كاميرات المراقبة التي أصبحت في عصرنا الراهن الرقيب الأول ويد العدالة؟ أم أن العنوان يحمل إسقاطًا رمزيًا يشير إلى عالمٍ أصبحت فيه العدالة عمياء في زمن طغى فيه الباطل على الحق؟ وفي النهاية يقودنا العمل إلى دلالة مركبة: عين العدالة التي ترى الشر، ليست بريئة تمامًا.
بطلا العالم الدرامي في المسلسل يبدوان منذ البداية متشابهين في الكثير من الملامح، حتى وإن اختلفت مسارات حياتهما، كلاهما يعيش على هامش المجتمع، مطاردًا بالماضي وتهمٍ لم يرتكباها، الأول مهندس ذكي ومجتهد، لكن بسبب ماضي والده وجد نفسه منخرطًا في مهنة بسيطة بالكاد توفر قوت يومه، مأزومًا نفسيًا وعاطفيًا. أما الآخر فهو محامٍ خرج لتوه من السجن، اختار العمل في مكتب محامٍ شهير يقوم فيه بالبحث عن ثغرات القانون وصياغة المرافعات، بينما يتولى المحامي الشهير تلاوتها أمام المحكمة، وكأنه اختار أن يكون لسانًا بلا صوت.
كلاهما إذن مغترب عن محيطه الاجتماعي، يبحث عن الحرية بوصفها طوق نجاة من عالم قاسٍ يتحرك بإيقاع متسارع لا يرحم، كلاهما يبحث عن العدالة، لكن السؤال الذي يطرحه العمل منذ البداية: أي عدالة هذه؟ وهل يمكن الوصول إليها بالفعل، أم أنها تحوّلت إلى مجرد شعار يردده الأغنياء في خطبهم، بينما يخفون وراءه مصالحهم المشبوهة؟
منذ اللحظة الأولى يقودنا المسلسل إلى رحلة بحث عن العدالة يخوضها عادل (عصام عمر) وزكي (باسم سمرة)، وهنا تظهر مفارقة دلالية لافتة في الاسمين؛ وكأن العمل يقول إن الذكاء هو الوسيلة لتحقيق العدالة، وإن الفطنة والنباهة هما المنجيان في زمن مرتبك.
يبدو زكي في هذه الرحلة العقل المدبر، بينما يصبح عادل الوقود والمنفذ، أما الوسيلة فهي كاميرات المراقبة، في إشارة واضحة إلى عيون الرقابة والعدالة في عصر التكنولوجيا؛ عين الحقيقة قبل أن تكون يد العدالة.
وعلى غرار الشطار والعيارين في التراث العربي، يمرر المسلسل رؤيته عبر نموذج البطل الخارج على النظام؛ فبطلا العمل يسرقان رجال الأعمال الفاسدين من أجل تحقيق العدالة.
لكن المسلسل يحمّل هذه الفكرة أبعادًا اجتماعية معاصرة؛ إذ يمكن قراءة بطلي العمل بوصفهما نموذجًا لما يمكن تسميته بـ“السكان الأصليين” للمجتمع المصري – كما كان يردد زكي طوال الوقت – في إشارة ربما إلى أبناء الطبقة المتوسطة التي شكّلت تاريخيًا عمود الاستقرار الاجتماعي، تلك الطبقة التي أسقطتها التحولات الاقتصادية لتجد نفسها تحت خط الفقر، بينما تتحكم في مصائرها طبقة ثرية جديدة نشأت بعد سياسات الانفتاح الاقتصادي.
على مستوى الأداء التمثيلي، قدم كل من عصام عمر وباسم سمرة أداءً يتسم بالصدق والاقتصاد في التعبير، واستطاع الاثنان تقديم شخصيتين مأزومتين نفسيًا واجتماعيًا بقدر كبير من الحساسية، فبدت انفعالاتهما منضبطة ومتصلة بالسياق الدرامي، كما تنقلا بسلاسة بين حالات الشك والغضب والخوف والرغبة في الانتقام دون أن يفقد الأداء تماسكه.
ويبرز بشكل خاص أداء باسم سمرة، الذي قدّم شخصية مركبة استطاع من خلالها أن يتنقل ببراعة بين حالات نفسية متباينة داخل المشهد الواحد؛ فبين لحظة يغلب عليها الانكسار وأخرى يطل فيها التحدي أو السخرية، كان قادرًا على الانتقال بين هذه الحالات بسلاسة، معتمدًا على تفاصيل دقيقة في نبرات الصوت وتعابير الوجه ولغة الجسد، ما منح الشخصية عمقًا إنسانيًا واضحًا وجعلها أكثر قربًا إلى المتلقي.
أما على مستوى الإخراج، فقد تعامل السدير مسعود مع الكادر بوصفه عنصرًا دلاليًا لا مجرد إطار للصورة، فبدت كثير من المشاهد كما لو أنها موضوعة من زاوية كاميرا مراقبة أو من خلف عوائق بصرية، بما يخلق إحساسًا دائمًا بأن الشخصيات موضوعة تحت الرصد. وبهذا الاختيار البصري وضع المخرج المشاهد نفسه في موقع المراقب لا المتفرج فقط، وكأن المسلسل يدفعنا لنكون جزءًا من تلك “العين” التي تتابع الجميع.
في النهاية، لا يسعى المسلسل إلى تقديم إجابات قاطعة بقدر ما يفتح مساحة للتساؤل. فبين إيمان زكي بأن العدالة مكبّلة اليدين، وثقة عادل في أنها قد تتأخر لكنها لا تغيب، يضعنا العمل أمام مرآة مجتمع تتداخل فيه الأقنعة بالوجوه ويتحوّل فيه الأشرار إلى نسخ مقنعة من الأخيار. هنا يتركنا المسلسل أمام سؤال أكثر إلحاحًا: هل يمكن للعدالة أن تجد طريقها فعلًا في عالم تحكمه المصالح وتغلفه الأقنعة؟ أم أن ما نراه ليس سوى محاولة يائسة من أفراد معزولين لاستعادة معنى العدالة في زمن فقد فيه هذا المعنى وضوحه؟
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
