عمر الزعبي ليست كلّ سنوات النموّ متشابهة. بعضها يمرّ رقماً في تقرير، وبعضها يكشف أنّ اقتصاداً ما بات يتحرّك في اتجاه مختلف جوهرياً. ويبدو أن عام 2026، بالنسبة للإمارات، أقرب إلى النوع الثاني.في الوقت الذي يتوقّع فيه صندوق النقد الدولي نموّاً عالمياً عند حدود 3.3%، أكّد عبدالله بن طوق المرّي وزير الاقتصاد والسياحة، أنّ الاقتصاد الإماراتي مرشّح للنموّ بأكثر من 5% هذا العام، مع نمو يفوق 5.5% في القطاعات غير النفطية التي باتت تمثّل 78% من الناتج المحلي الإجمالي.فارقٌ يقارب نقطتين مئويتين فوق المتوسّط العالمي لا يُقرأ كتحسّن ظرفيّ، بل كمؤشّر على اقتصاد دخل مرحلة توسّع نشطة في وقتٍ يكتفي فيه كثير من الاقتصادات بوتيرة معتدلة.غير أنّ الدلالة الأعمق لا تكمن في معدّل النموّ وحده، بل في بنيته. حين تصل مساهمة القطاعات غير النفطية إلى أربعة أخماس الاقتصاد تقريباً، فإنّ الحديث لم يعد عن تنويع مأمول، بل عن واقع هيكلي تراكم عبر سنوات من السياسات والاستثمارات.لعلّ أوضح دليل على هذا التحوّل جاء من القطاع الصناعي. فقد سجّلت الصادرات الصناعية الإماراتية في 2025 نحو 262 مليار درهم للمرّة الأولى في تاريخ الدولة، بنموّ 25% مقارنةً بعام 2024، وبأكثر من الضعف منذ تأسيس وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدّمة عام 2020. كما بلغت صادرات الصناعات المتوسّطة والعالية التقنية 92 مليار درهم بنموّ سنوي 42%، متجاوزةً مستهدف 90 مليار درهم المرسوم لعام 2031 قبل ستّ سنوات من موعده.ولم تكن ردّة الفعل الرسمية أقلّ دلالةً من الأرقام ذاتها. حين يصف صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، الإمارات بـ«العملاق الصناعي» في تدوينة على منصّة «إكس»، فهو لا يحتفي بإنجاز عابر، بل يُعيد تعريف الهويّة الاقتصادية للدولة. فالعبارة تنطوي على رسالة واضحة مفادها بأن القاعدة الصناعية هي العمود الفقري لأيّ اقتصاد تنافسي، والإمارات باتت تملك هذا العمود.وما يلفت في قراءة سموّه أنّه ربط الإنجاز لا بعامل واحد، بل بمنظومة متكاملة قائمة على تشريعات حكومية تتقاطع مع قطاع خاص فاعل، وبنية رقمية تدعمهما، وقطاع مالي يموّل التوسّع. هذا التشخيص يفسّر لماذا تصدرت الإمارات المرتبة الأولى عربياً في مؤشّر الأداء الصناعي التنافسي الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية «يونيدو»، وهو مؤشّر لا يقيس حجم الإنتاج فحسب، بل قدرة الدولة على المنافسة نوعياً في الأسواق العالمية.أمّا الدكتور سلطان الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، فوضع النتائج في سياقها الاستراتيجي الأوسع وهو ترسيخ مكانة الإمارات شريكاً صناعياً موثوقاً على المستوى العالمي، وهي مكانة لا تُبنى بالأرقام وحدها، بل بالاتّساق والاستمرارية.نحن إذاً أمام تحوّل نوعي، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على زيادة حجم الصادرات، بل تغيّرت طبيعة ما يُصدَّر. فالصناعات المتوسّطة والعالية التقنية تعني منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، تتطلّب مهارات ومعرفة وسلاسل إنتاج أكثر تعقيداً، وهذا ما يُفرّق بين اقتصاد يبيع سلعاً واقتصاد يصنع قيمة.على صعيد الطاقة، المشهد لم يعد يُختزل في إنتاج النفط والغاز. فقد قامت شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» بتوسيع حضورها في مشاريع القيمة المضافة والبتروكيماويات والصناعات التحويلية، محوّلةً كلّ برميل من سلعة خام إلى مدخل لسلسلة صناعية أوسع. وفي الوقت ذاته، وصلت شركة أبوظبي لطاقة المستقبل «مصدر» إلى محفظة عالمية تبلغ 65 غيغاواط من الطاقة المتجدّدة، محققه بذلك ثلثَي هدفها البالغ 100 غيغاواط بحلول 2030، وهو ما يجعل الإمارات لاعباً مزدوجاً يجمع بين أمن الإمدادات التقليدية والتموضع في أسواق الطاقة النظيفة.لكنّ البُعد الصناعي لقطاع الطاقة لا يتوقّف عند التكرير والبتروكيماويات. ثمّة طبقة جديدة تتشكّل عند تقاطع الطاقة مع الذكاء الاصطناعي، وهي طبقة صناعية بامتياز.حين يقول الدكتور سلطان الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، في افتتاح أسبوع أبوظبي للاستدامة 2026، إنّه «بدون طاقة لن يكون هناك ذكاء اصطناعي، فكل خوارزمية، وكل مركز للبيانات، وكل إنجاز تكنولوجي متقدم، يحتاج إلى طاقة»، فهو يشير إلى معادلة اقتصادية صاعدة مفادها بأن كلّ خوارزمية وكلّ مركز بيانات يحتاج إلى طاقة لتشغيله، والطلب على طاقة مراكز البيانات وحده مرشّح للارتفاع بأكثر من 500% بحلول 2040.ثمّة زاوية أقلّ بروزاً لكنّها قد تكون الأكثر دلالةً على المدى البعيد. ولا تتعلّق بما تصنّعه الإمارات، بل بما تؤمّنه لصناعات المستقبل. من المتوقع أن يتضاعف الطلب العالمي على المعادن الحيوية ثلاث مرّات بحلول 2030 وأربع مرّات بحلول 2040، وفق ما أكّده محمد حسن السويدي، وزير الاستثمار.في هذا السياق، وقّعت الإمارات في فبراير 2026 إطار عمل مع الولايات المتحدة لدعم تأمين المعادن الحرجة يغطّي سلسلة القيمة بالكامل من التعدين إلى إعادة التدوير. والقراءة الأدقّ لهذا الإطار لا تتوقّف عند بنوده، بل في الدور الذي ترسمه الإمارات لنفسها والمتمثل في أن تكون عقدة موثوقة في سلاسل الإمداد العالمية، تربط بين مُنتجي المعادن ومستهلكيها. والتزامها الاستثماري البالغ 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة خلال العقد المقبل ليس مجاملة دبلوماسية، بل رهان على شراكة في البنية التحتية للاقتصاد القادم.لا يمكن قراءة هذه المؤشّرات بمعزل عن المنظومة التي تقف خلفها. فوزارة الاقتصاد ترسم الإطار الاستراتيجي للتنويع، ودوائر التنمية الاقتصادية في أبوظبي ودبي تدعم بيئة الأعمال وتوسّع القاعدة الاستثمارية، بينما تتكامل أدوار «أدنوك» و«مصدر» في تغطية طيف الطاقة بالكامل، من التقليدي إلى المتجدّد. هذا التكامل المؤسّسي هو ما يحوّل الأرقام من إنجازات لحظية إلى مسار قابل للاستمرار. * كاتب سوري