شهدت مجموعات هذا الموسم ترقباً مماثلاً لما حظيت به مجموعة شانيل Chanel خلال أسبوع الموضة في باريس، حتى قبل بدء العرض، كان المزاج المحيط بالدار قد تغيّر بشكل واضح؛ فالمتاجر الباريسية امتلأت بالمحررين والمشترين والعملاء المخلصين الذين يسعون إلى اقتناء قطع من المرحلة الجديدة التي يقودها المصمم ماثيو بلازي، لم يكن هذا الحماس مجرد فضول تجاه ظهور أول لمصمم جديد، بل كان انعكاساً لشعور أوسع بأن الدار تدخل مرحلة إعادة تقييم جريئة وسريعة، تعيد فيها النظر في إرثها العريق بطريقة معاصرة.
في عرض خريف وشتاء 2026-2027، قدّم بلازي أول موسم كامل للأزياء الجاهزة منذ توليه منصبه، بعد سلسلة من العروض التمهيدية التي شملت عرض Métiers d’Art في نيويورك ومجموعة أزياء راقية في وقت سابق من العام. لكن هذه المرة، كان العرض بمثابة البيان الحقيقي لرؤيته، واللحظة التي سيحدد فيها ملامح مستقبل الدار.
قصر غراند باليه يتحول إلى موقع بناء
- أُقيم العرض تحت القبة الزجاجية الشاسعة لقصر غراند باليه في باريس، إلا أن المكان لم يظهر كقاعة عرض تقليدية، بل بدا أقرب إلى موقع بناء ضخم، حيث ارتفعت الرافعات المعدنية المضيئة بألوان أساسية، الأحمر والأزرق والأصفر، في مشهد بدا وكأنه استعارة بصرية واضحة.
- كان هذا الإعداد المسرحي يلمّح إلى فكرة إعادة البناء. فدار شانيل، التي لطالما ارتبط اسمها بالاستمرارية والرمزية، تُصوَّر هنا كبيت يعيد تشكيل نفسه. لم تكن الفخامة في هذا السياق شيئاً ثابتاً أو مكتمل البناء، بل مشروعاً دائماً قيد التطوير.
هذا المشهد لم يكن مجرد خلفية جمالية، بل جزءاً من السرد البصري للعرض. فكما تُعاد صياغة المباني وتطويرها عبر الزمن، كذلك تُعاد صياغة لغة شانيل من جيل إلى آخر.
قراءة جديدة لإرث كوكو شانيل
- يعتمد نهج بلازي في جوهره على قراءة متأنية لأعمال غابرييل "كوكو" شانيل، لكنه لم يتعامل مع الأرشيف ككنز جامد يجب الحفاظ عليه كما هو، بل باعتباره مصدر إلهام حيّ يمكن إعادة تفسيره.
- عرفت شانيل تاريخياً بقدرتها على تحويل الملابس العملية إلى أزياء فاخرة، فقد استلهمت من ملابس الرجال، والملابس الرياضية، وحتى من أزياء العمل، لتخلق منها قطعاً أنيقة ومريحة في آن واحد. هذا المبدأ نفسه شكّل أساس رؤية بلازي.
- بدلاً من التركيز على إعادة إنتاج القطع الأيقونية بحرفيتها الأصلية، ركز المصمم على روح التحوّل التي ميّزت مؤسِّسة الدار. وبهذا، أصبح العرض حواراً بين الماضي والحاضر، بين الأرشيف والتجربة المعاصرة.
افتتاحية منضبطة: بدلات التويد تعود إلى جذورها
- بدأ العرض بإطلالات بدت وكأنها بيان هادئ للدار. ظهرت بدلات التنورة السوداء المصنوعة من صوف ميرينو المضلع الممزوج بالحرير، مزينة بالأزرار الذهبية الكلاسيكية التي أصبحت علامة مميزة لشانيل.
- كانت هذه القطع دقيقة في خطوطها ومريحة في بنيتها، محافظة على الوضوح الهندسي الذي طالما عُرفت به الدار. لكن في الوقت نفسه، تجنبت المبالغة في الحنين إلى الماضي.
- بدت البدلات وكأنها مصممة لامرأة معاصرة: امرأة تعمل، تتحرك، وتسافر. لم تكن القطع مجرد استعادة لماضٍ مجيد، بل إعادة صياغة لفكرة الأناقة العملية التي لطالما شكّلت أساس فلسفة شانيل.
شاهدي أيضاً: مجموعة Chanel خريف وشتاء 2025-2026
الفساتين منخفضة الخصر: تحية إلى عشرينيات القرن الماضي
- بعد هذه البداية الهادئة، بدأ العرض يستكشف مناطق جديدة من الأرشيف. ظهرت سلسلة من الفساتين ذات الخصر المنخفض، المستوحاة من أزياء عشرينيات القرن الماضي.
- كان هذا الخط التصميمي يطيل الجزء العلوي من الجسم ويمنح الحركة انسيابية ناعمة، بدت الفساتين وكأنها تنساب حول الجسد بدلاً من أن تحدده، ما أضفى إحساساً بالحرية والراحة.
جاءت هذه التصاميم في تباين واضح مع اتجاهات أخرى شوهدت في عروض باريس هذا الموسم، حيث سيطرت السترات القصيرة والبنى الحادة. أما لدى شانيل، فقد اختار بلازي خطوطاً أطول وأكثر مرونة، تعكس فكرة الأناقة الطبيعية.
بين البساطة والبريق
- مع تقدم العرض، بدأت المجموعة تتجه تدريجياً نحو أسطح أكثر جرأة وتجريباً، ظهرت إطلالات مصنوعة من أقمشة متلألئة وسلاسل معدنية مطبوعة، إلى جانب قطع من التويد بتقنيات الخداع البصري.
- كان هذا التلاعب بالمواد والضوء يخلق إحساساً بالتحول المسرحي، ففي لحظة تبدو الإطلالة بسيطة ومباشرة، وفي لحظة أخرى تتحول إلى قطعة لامعة تعكس الضوء بطريقة ديناميكية.
هذا التوازن بين البساطة والبريق يعكس فلسفة قديمة لشانيل، مفادها أن المرأة تحتاج إلى ملابس تناسب حياتها اليومية بقدر ما تحتاج إلى إطلالات للمناسبات الخاصة.
براعة الورش الحرفية
ظل الابتكار في المواد محورياً طوال العرض، فقد استعرضت ورش Métiers d’Art التابعة لشانيل مهاراتها التقنية عبر مجموعة من الأقمشة المعقدة:
- ظهرت أطقم محبوكة مرصّعة بترتر من عرق اللؤلؤ، ما أضفى لمعاناً ناعماً على القطع. كما بدت بعض الخياطات وكأنها مرسومة باليد، حيث تحاكي الغرز حركة الرسم على القماش.
- في إحدى الإطلالات البارزة، ظهر فستان مخملي عميق اللون مزين بتطريز كثيف يعكس الضوء بطريقة دقيقة، كانت هذه القطع مثالاً واضحاً على الحرفية التي تشتهر بها الدار، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى عنصر أساسي في التجربة البصرية.
التويد… المادة التي لا تغيب
- لا يمكن الحديث عن شانيل دون التطرق إلى قماش التويد، النسيج الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من هوية الدار.
- في هذه المجموعة، لم يظهر التويد بصيغته التقليدية فقط، بل أعيد تفسيره بطرق مبتكرة.
- ظهرت بعض القطع بتويد خفيف يكاد يشبه الحرير، بينما جاء بعضها الآخر بتأثيرات بصرية تجعل النسيج يبدو وكأنه مطبوع أو مطرز.
- هذا التنوع في استخدام المادة يعكس قدرة الدار على الحفاظ على تقاليدها مع إدخال تقنيات حديثة تمنحها حياة جديدة.
الإكسسوارات: تفاصيل تعزز الهوية
- كما هو متوقع في عرض لشانيل، لعبت الإكسسوارات دوراً أساسياً في استكمال الإطلالات.
- ظهرت الحقائب الصغيرة بسلاسل معدنية طويلة، بينما جاءت الأحذية بتصاميم تجمع بين الراحة والأناقة.
- كما عادت زهرة الكاميليا، الزهرة الأيقونية للدار، في أكثر من شكل، سواء كزينة للشعر أو كتفصيل على الفساتين.
لم تكن هذه الإكسسوارات مجرد إضافات جمالية، بل عناصر تؤكد هوية الدار وتربط المجموعة بتاريخها العريق.
العودة إلى الفستان الأسود القصير
- في نهاية العرض، عادت المجموعة إلى البساطة، أعاد بلازي إحياء فكرة الفستان الأسود القصير، أحد أعظم إسهامات شانيل في تاريخ الموضة.
- ظهر التصميم بقماش جيرسي ناعم ينساب حول الجسم، بسيطاً من الأمام لكنه يكشف عن ظهر منخفض مزين بزهرة كاميليا واحدة معلقة بين لوحي الكتف.
كانت هذه اللمسة مثالاً على فلسفة التصميم لدى شانيل: البساطة التي تحمل في داخلها عنصر مفاجأة خفية.
شانيل بين الإرث والتجديد
- في نهاية العرض، بدا واضحاً أن شانيل تدخل مرحلة جديدة من تاريخها. مرحلة لا تقوم على الحنين إلى الماضي بقدر ما تقوم على تطويره.
- فالإرث الذي تركته كوكو شانيل لم يكن مجموعة من القواعد الثابتة، بل فلسفة قائمة على الحرية والتجديد. وهذا ما يحاول بلازي إعادة إحيائه اليوم.
بداية فصل جديد
- قد تكون مجموعة خريف وشتاء 2026-2027 مجرد بداية لمسيرة طويلة تحت قيادة ماثيو بلازي، لكنها بالفعل ترسم ملامح فصل جديد في تاريخ الدار.
- فمن خلال مزيج من الأناقة العملية، والحرفية الرفيعة، والتجريب المدروس، تثبت شانيل مرة أخرى قدرتها على التكيف مع الزمن دون أن تفقد هويتها.
- وكما بدا المسرح في غراند باليه أشبه بموقع بناء، فإن شانيل اليوم تعيد بالفعل بناء نفسها – ليس من الصفر، بل على أساس إرثٍ صنعته عبر أكثر من قرن من الابتكار.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ليالينا ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ليالينا ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
