في وقت تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتلقي الحرب الدائرة في المنطقة بظلالها على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، تبرز دولة الإمارات بوصفها إحدى أكثر الاقتصادات الإقليمية قدرة على الحفاظ على استقرار تدفقات التجارة والسلع، مستفيدة من شبكة واسعة من الشراكات الاقتصادية الشاملة واتفاقيات التجارة الحرة التي أعادت رسم خريطة انفتاحها التجاري خلال السنوات الأخيرة.
يرى محللون، أن الاستراتيجية الاقتصادية التي تبنتها الإمارات، القائمة على توسيع اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، لعبت دوراً محورياً في تعزيز متانة منظومة التجارة الخارجية وحماية سلاسل الإمداد من الصدمات الإقليمية.
حتى الآن، وقعت دولة الإمارات 37 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة مع دول وتكتلات اقتصادية حول العالم، دخلت 13 منها حيز التنفيذ، في خطوة تعكس تسارع سياسة الانفتاح التجاري التي تنتهجها الدولة في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.
التجارة المفتوحة
تؤكد هذه الاتفاقيات التزام الإمارات بمفهوم التجارة المفتوحة القائمة على قواعد عادلة، كما توفر إطاراً مؤسسياً لتعميق التعاون الاقتصادي وتوسيع تدفقات التجارة والاستثمار عبر مجموعة واسعة من القطاعات، بدءاً من السلع الصناعية والزراعية وصولاً إلى الخدمات والتكنولوجيا المتقدمة. وخلال عام 2026، واصلت الإمارات تحقيق تقدم ملحوظ في هذا البرنامج الاستراتيجي، حيث وقعت اتفاقيات جديدة مع الكونغو وسيراليون والغابون، في خطوة تعزز حضورها التجاري في القارة الإفريقية، التي تعد واحدة من أسرع المناطق نمواً من حيث الطلب على السلع والخدمات والبنية التحتية. كما دخلت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة مع فيتنام حيز التنفيذ، ما يفتح آفاقاً أوسع للتبادل التجاري مع أحد الاقتصادات الصناعية الصاعدة في آسيا، ويعزز موقع الإمارات كبوابة رئيسية للتجارة بين الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.
برنامج فاعل
في هذا السياق، تشير البيانات الحكومية إلى أن برنامج الشراكات الاقتصادية الشاملة الذي أطلق في سبتمبر/ أيلول 2021 حقق توسعاً سريعاً، حيث أبرمت الإمارات حتى مطلع ديسمبر/كانون الأول 2024 نحو 24 اتفاقية مع دول وتكتلات اقتصادية ذات أهمية استراتيجية على خريطة التجارة الدولية. تغطي هذه الاتفاقيات أسواقاً يعيش فيها نحو 2.5 مليار نسمة، أي ما يقارب ربع سكان العالم، ما يعكس اتساع النطاق الجغرافي للسياسة التجارية الإماراتية وسعيها لتقليل الاعتماد على مسارات تجارية محددة أو أسواق بعينها. ويقول خبراء في التجارة الدولية: إن هذا التنوع في الشركاء التجاريين يحد من المخاطر المرتبطة بالاضطرابات الإقليمية، إذ يسمح بإعادة توجيه تدفقات التجارة بسرعة نحو أسواق بديلة في حال تعطل مسارات أو ممرات تجارية.
تسريع وتيرة الصادرات
أسهمت هذه الاتفاقيات في تسريع حركة الصادرات غير النفطية للإمارات، التي باتت تشكل ركيزة متنامية في هيكل الاقتصاد الوطني، مدعومة ببنية تحتية لوجستية متقدمة تشمل الموانئ والمناطق الحرة والمطارات التي تربط الدولة بأكثر من مئتي وجهة تجارية حول العالم.
وتؤكد هذه العوامل مجتمعة قدرة الإمارات على الحفاظ على انسيابية سلاسل الإمداد حتى في فترات عدم اليقين الجيوسياسي، في وقت تواجه فيه العديد من الاقتصادات ضغوطاً متزايدة على التجارة والتوريد. ويرى اقتصاديون، أن نجاح الإمارات في بناء شبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية لا يقتصر على تعزيز التجارة فحسب، بل يمثل أيضاً أداة استراتيجية لترسيخ موقع الدولة كمركز عالمي للتجارة وإعادة التصدير، وكنقطة التقاء رئيسية بين أسواق آسيا وإفريقيا وأوروبا. وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، تبدو هذه السياسة القائمة على تنويع الشركاء التجاريين وتعميق التكامل الاقتصادي إحدى الركائز الأساسية التي تدعم استقرار الاقتصاد الإماراتي وتحافظ على زخم التجارة الدولية عبر موانئه ومراكزه اللوجستية.
مخزون استراتيجي
من جانبه، أكَّد عبدالله بن طوق المري، وزير الاقتصاد والسياحة، أن تأمين الغذاء للجمهور وحماية حقوقه الاستهلاكية في دولة الإمارات يمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، مشيراً إلى أن معدلات حجم الاستيراد اليومي للخضراوات والفواكه في أسواق الإمارات، تسير بشكل طبيعي خلال الأزمة الإقليمية الراهنة، كما يشهد سوق العوير في دبي، توافراً كافياً للسلع الغذائية، الأمر الذي يعكس الجاهزية العالية للمخزون الاستراتيجي للدولة، واستقرار عمليات التوريد والبيع في مختلف منافذ السوق، ويعزز تلبية احتياجات المستهلكين من دون أي نقص أو تأثير في الأسعار.
ولفت بن طوق، إلى أن وزارة الاقتصاد والسياحة، وبالتعاون المستمر مع الدوائر الاقتصادية والجهات المعنية، تتابع بشكل يومي كميات المخزون لدى الموردين ومنافذ البيع، وتقوم بإجراء تحليلات دقيقة لمستوى الكفاية لكل سلعة غذائية أساسية، بهدف ضمان توفر المعروض بشكل مستمر، وتفادي أي نقص محتمل من السلع، كما تسهم هذه المتابعة في دعم اتخاذ القرارات الاستباقية لضمان استقرار الأسعار في الأسواق، لا سيما أن الوزارة لديها خطة عمل تتضمن تنفيذ أكثر من 420 جولة تفتيشية خلال شهر رمضان الكريم.
وفرة المعروض
على الصعيد ذاته، أكدت مؤسسة دبي لحماية المستهلك والتجارة العادلة، التابعة لدائرة الاقتصاد والسياحة بدبي، أن سلاسل التوريد والإمداد في دبي تعمل بكفاءة عالية، مع توفر واسع للسلع والمنتجات في مختلف منافذ البيع، وعدم تسجيل أي اضطرابات في حركة التجارة أو تدفق البضائع.
وقال أحمد أهلي، مدير إدارة حماية المستهلك بالإنابة في المؤسسة: إن الجولات الميدانية التي نفذتها فرق التفتيش، أظهرت وفرة كبيرة في المعروض من السلع الأساسية والاستهلاكية في مراكز التسوق والمتاجر في مختلف أنحاء الإمارة، مع التزام واضح من قبل تجار التجزئة بالأسعار المعتمدة دون تسجيل زيادات ملحوظة.
وتقوم الدائرة، بجولات تفتيشية دورية تهدف إلى متابعة أوضاع الأسواق وضمان استقرار الأسعار واستمرارية توفر السلع الأساسية.
ووفقاً لأهلي، تقوم فرق التفتيش بزيارات ميدانية أسبوعية لمنافذ البيع، إضافة إلى عمليات تدقيق إضافية مرة كل ثلاثة أيام لمطابقة الأسعار المعروضة على الأرفف مع تلك المسجلة في أنظمة الدفع، في إطار تعزيز مبادئ التجارة العادلة والشفافية في السوق.
وأشار أهلي إلى أن الفترة الحالية تشهد طلباً قوياً من المستهلكين على عدد من السلع المرتبطة بالموسم الرمضاني، خصوصاً الخضراوات والفواكه التي أصبحت تمثل مكونات أساسية في سلة الاستهلاك اليومية خلال الشهر الكريم، مؤكداً أن فرق الرقابة تتابع حركة أسعار هذه المنتجات بشكل دوري للتأكد من استقرارها وعدم استغلال ارتفاع الطلب الموسمي.
شبكة لوجستية
ويعكس استقرار الأسواق في دبي قوة البنية اللوجستية المتقدمة التي طورتها الإمارة خلال السنوات الماضية، إذ تشكل دبي مركزاً محورياً للتجارة وإعادة التصدير في المنطقة، مستفيدة من شبكة موانئ ومطارات ومناطق حرة متطورة تربطها بمئات الأسواق العالمية، وتتيح هذه المنظومة اللوجستية مرونة كبيرة في تدفق البضائع، ما يعزز قدرة السوق المحلية على استيعاب أي زيادة في الطلب أو مواجهة أي تحديات قد تطرأ على حركة التجارة الإقليمية.
كما تسهم منظومة التخزين الاستراتيجي وشبكات التوزيع الحديثة لدى كبرى شركات التجزئة والموردين في الحفاظ على مستويات عالية من المخزون للسلع الأساسية، ما يحدُ من احتمالات حدوث نقص في المنتجات أو تقلبات مفاجئة في الأسعار، خصوصاً خلال المواسم التي تشهد ارتفاعاً في الاستهلاك مثل شهر رمضان.
سلاسل الإمداد
أوضح أحمد أهلي، أن استقرار سلاسل الإمداد ينعكس مباشرة على ثقة المستهلكين واستقرار الأسواق، مشيراً إلى أن التعاون المستمر بين الجهات التنظيمية وقطاع التجزئة يسهم في تعزيز كفاءة السوق وضمان التوازن بين العرض والطلب.
ودعا المتسوقين إلى التسوق المسؤول وتجنب شراء كميات تفوق الحاجة أو التخزين المفرط، مؤكداً أن السلع الأساسية متوفرة بشكل مستمر في مختلف منافذ البيع، وأن الشراء المتوازن يسهم في الحفاظ على استقرار السوق وتقليل الهدر الغذائي.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
