افتتاحية صحيفة «غلوبال تايمز»
في ختام زيارته إلى الصين، ترك المستشار الألماني فريدريش ميرتس انطباعاً بدا واضحاً حتى في مقاطع الفيديو التي نشرها على حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي. خلال يومين فقط، بدا الرجل منغمساً في تجربة مختلفة، من جولته في متحف القصر الإمبراطوري في بكين، إلى تقديمه التهاني باللغة الصينية، بمناسبة رأس السنة الجديدة في البلاد «عام الحصان»، فاقتباسه أبياتاً من الشاعر الألماني فريدريش شيلر، وصولاً إلى حضوره عروض الفنون القتالية والروبوتات في هانغتشو. لم تكن الزيارة بروتوكولية بحتة. ميرتس اختبر بنفسه قيادة سيارة «مرسيدس» الفئة S الجديدة، وزار شركة «سيمنز» للقواطع الكهربائية عالية الجهد للاطلاع على مسار الشركات الألمانية العاملة في الصين. كان حاضراً، متفاعلاً، يصفّق للروبوتات، ويلتقط الصور معها، ويشاركها مباشرة مع جمهوره الأوروبي.
هذه هي الزيارة الأولى لميرتس منذ توليه المنصب، وأول زيارة لزعيم أجنبي إلى الصين بعد عطلة عيد الربيع في عام الحصان. التقى المستشار بالرئيس شي جين بينغ، وأجرى محادثات مع رئيس مجلس الدولة لي تشيانغ، وأصدر الجانبان بياناً صحفياً مشتركاً بين جمهورية الصين الشعبية وجمهورية ألمانيا الاتحادية. وبوصفهما ثاني وثالث أكبر اقتصادين في العالم، ترى بكين وبرلين في هذه الزيارة فرصة لفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية، ومصدراً للاستقرار في عالم مضطرب تتزايد فيه الشكوك.
أبرز ما ميّز رحلة ميرتس كان الاحتكاك المباشر مع «الصين المبتكرة». فقد أصبح من بين قلة من القادة الغربيين الذين زاروا شركة صينية متخصصة في الروبوتات الشبيهة بالبشر. هذه المحطة أثارت اهتماماً لافتاً في الإعلام الأوروبي، خصوصاً لما تمثله هانغتشو من «نظام بيئي ابتكاري». وصفتها صحيفة «لوموند» الفرنسية بأنها «القلب النابض للثورة الرقمية في الصين». وتناولت وسائل إعلام ألمانية بالتفصيل كيفية تدريب الروبوتات بالذكاء الاصطناعي لتقديم عروض الملاكمة والأكروبات والكونغ فو، باعتبارها جزءاً من مساعي الصين لتعزيز قوى إنتاجية جديدة عالية الجودة.
صحيح أن بعض التغطيات الأوروبية حملت نبرة تنافسية، إلا أنها اعترفت إجمالاً بسرعة التطور الصيني وموقعه المتقدم في الذكاء الاصطناعي والروبوتات. وهنا تكمن الرسالة الأهم: الزيارة كسرت الرواية النمطية التي تصوّر التقدم التكنولوجي الصيني بوصفه قائماً على «الدعم الحكومي» أو «تقليد منخفض الكلفة». وأتاحت لكثير من الأوروبيين رؤية وجه آخر للصين: براغماتي، طموح، منفتح، وشريك راغب في الابتكار المشترك.
وجود نحو 30 من كبار التنفيذيين الألمان ضمن الوفد المرافق، عكس استعداداً لتوسيع الاستثمار وتعميق البحث والتطوير المشترك، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي والمركبات العاملة بالطاقة الجديدة. كما أن الوثائق الموقعة خلال الزيارة، في ميادين التحول الأخضر والجمارك والرياضة والإعلام، أظهرت نتائج عملية لا تقتصر على الشعارات.
لكن، وكما هو معتاد، لم تخلُ الزيارة من بعض الجدل. فقد سبقتها في ألمانيا حملات تطالب ميرتس بطرح أسئلة إلزامية حول العجز التجاري وتقليل الاعتماد. في المقابل، اعترفت بعض وسائل الإعلام الغربية بموضوعية بالتقدم الاقتصادي والتكنولوجي الصيني، فيما واصل آخرون التركيز على فائض الطاقة الإنتاجية والتهديد الاقتصادي، بل واعتبروا البرنامج الإيجابي للزيارة تغليفاً دعائياً متعمداً من الصين.
لكن وراء هذه العقليات المشوهة تكمن حقيقة عجز بعض وسائل الإعلام الغربية عن تقبل واقع التطور والتقدم في الصين. ففي الأشهر الثلاثة الأخيرة وحدها، زار الصين قادة من ألمانيا وفرنسا وكندا وفنلندا وبريطانيا، وخرجوا بنتائج تعاون ملموسة. هذه الوقائع تضعف خطاب «فك الارتباط» وتؤكد أن محاولة فرض قواعد أحادية على الصين لم تعد واقعية. بالنسبة لألمانيا، الصين ليست فقط أكبر شريك تجاري، بل عقدة أساسية في سلاسل الصناعة العالمية، ولطالما شكّلت العلاقات الصينية-الألمانية «مرساة استقرار» للعلاقات بين الصين والاتحاد الأوروبي. وهذا ما شدد عليه ميرتس خلال الزيارة، مؤكداً الأهمية الكبيرة للسوق الصينية، وعلى التمسك بالتجارة الحرة ورفض الحمائية، معرباً عن دعمه لتعزيز الحوار بين الاتحاد الأوروبي وبكين.
الرهان الآن أن تتحول هذه البراغماتية إلى مقاربة أوروبية أكثر توازناً، تعود بالنفع على شعوب الصين وألمانيا وأوروبا، وتسهم في عالم أكثر استقراراً وازدهاراً.. عالمٌ تتسع فيه الفجوات وتتصاعد الشكوك، على أمل أن تكون رحلة واحدة كافية لتعديل زاوية الرؤية.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
