مع قرب انتهاء موسم رمضان 2026 يظهر بوضوح تفوق مسلسلات الـ15 حلقة مقارنة بالمسلسلات الطويلة المكونة من 30 حلقة. وهذه الظاهرة مستمرة من الأعوام القليلة الماضية وصولًا لهذا العام أيضًا. أحيانًا تزيد نسبة الأعمال الجيدة فنيًا عددًا أو تقل على حسب الموسم ومنافساته. الأمر الذي يضعنا مباشرة أمام السبب وهو التكثيف الدرامي الذي له اليد العليا في ما يتعلق بالتقييم، وعدم تحميل الدراما داخل العمل بأكثر مما تحتمل كهدف لزيادة عدد الحلقات.تبدو مسلسلات الـ15 حلقة هذا العام أكثر مرونة وقربًا من المجتمع، وهي التي حققت نجاحات كبيرة في هذا الموسم. ومجرد استعراضها يؤكد على هذه الحقيقة، في المقدمة سنجد مسلسلي "صحاب الأرض" و"عين سحرية"، بكل تفاصيلهما والتحديات الفنية التي فرضتها طبيعة كل مسلسل وفي مقدمتهم عنصر التصوير. حيث اعتمد الأول على مصادر الإضاءة الطبيعية ليضفي حالة من الواقعية والمعايشة للشعب الفلسطيني مع غياب أساسيات المعيشة، وسط أجواء وأهوال فرضتها العمليات العسكرية الإجرامية لإسرائيل. بينما فرضت أجواء الإثارة والخطر طبيعة الإضاءة في مسلسل "عين سحرية" ليعبر عن حال أبطاله سواء في معسكر الخير أو الشر، حيث تلعب الإضاءة عاملًا أساسيًا في التعبير عن طبيعة الشخصيات وحالاتهم الشعورية في المسلسل.ومن النصف الثاني للموسم انضم لقائمة الأفضل وبقوة مسلسلا "حكاية نرجس" و"فرصة أخيرة" بإعلائهم لحد كبير لعنصر التمثيل. حيث يقدم عدد كبير من الفنانين منهم ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي وأحمد عزمي وعارفة عبد الرسول، ومحمود حميدة وطارق لطفي. حيث يتيح بناء هذين المسلسلين تحديدًا الفرصة للممثلين ليظهروا أفضل ما عندهم. الاعتماد على الحوار أقل في التعبير عن تفاصيل الشخصيات مع مساحة أكبر للأداء التمثيلي وإبداعاته، والتي تظهر بوضوح للمشاهد من خلال اللقطات المتوسطة والقريبة للممثلين خاصة لهذا الغرض.ومن النصف الأول للموسم، يشترك "كان يا مكان" مع "حكاية نرجس" و"فرصة أخيرة" في إبراز عنصر التمثيل. وكأن المسلسل بأكمله مصمم ليبدع ماجد الكدواني ويسرا اللوزي وريتال عبد العزيز في أدائهم للشخصيات. لكن الاختلاف يأتي في طبيعة المسلسل الذى لا يعتمد على المواجهات، بقدر ما يعتمد على المشاعر مع الحوار القليل. فلا مناجاة للنفس، والصمت والأداء هما الفيصل. فلا تشويق ولا إثارة، فقط صورة مقربة لعائلة صغيرة لا يستطيع أي منهم إيذاء حشرة، لكن تفاعلاتهم مع بعضهم البعض مدمرة نفسيًا.ربما تكون هذه المسلسلات هي الأفضل والأكثر في تكامل العناصر الفنية، لكن هذا لا يمنع من وجود مسلسلات أخرى متنوعة وشديدة الجدية في مناقشة قضايا آنية، وأيضًا جيدة جدًا في عناصرها الفنية. منها في النصف الأول "اتنين غيرنا" بطابعه الرومانسي والسيناريو المحكم المتسق مع نوعه، وتقريبًا هو الوحيد الذى ينتمي لهذه النوعية وتحمل عناصره جودة كبيرة. وكذلك مسلسلا "توابع" و"حد أقصى"، حيث تقدم كل من روجينا وريهام حجاج للعام الثاني على التوالي مسلسلات شديدة الجودة بعد فترة تخبط وصعود وهبوط في مستوى ما كانتا تقدمانه من أعمال. ومع الخروج من منطقتهما الآمنة الذى يعد مغامرة بالنسبة لهما، إلا أن خطواتهما ثابتة وناجحة. ومن المتوقع أن يحظى كل من مسلسليهما بإعادة مشاهدة بعد الموسم، أو مشاهدة أولى لمن لم يتابعوه وسط هذا الكم الضخم من المسلسلات.وفي الوقت الذى احتفظت فيه ريهام حجاج بعناصر نجاح مسلسلها العام الماضي "أثينا" الأساسيين: السيناريست محمد ناير والمخرج يحيي إسماعيل، وطعمت مسلسلها بالخبرات والمواهب أمام وخلف الكاميرا. زادت روجينا من روح المغامرة واختارت العمل مع ابنتها المخرجة مايا أشرف زكي. حيث تقدم للعام الثاني على التوالي مخرجة شابة موهوبة وقادرة بعد مي ممدوح مخرجة مسلسلها "حسبة عمري" العام الماضي. مع الاستمرار في الاعتماد على أسماء مهمة في موقع التأليف، فبعد محمود عزت العام الماضي، يأتي هذا العام اسمان من أصحاب الخبرة الكبيرة في السيناريو حاليًا وهما هشام هلال وباسم شرف. مع الاستمرار في الحفاظ على التوازن بين الاكتشاف والخبرة في باقي فريق العمل أمام وخلف الكاميرا. الأمر الذى يجعل من المسلسلين ونجمتيهما من الأهم والأفضل في موسم رمضان 2026.أما مسلسلا "النص التاني" و"عرض وطلب" فمتفردان بطبيعتهما. الأول الذى يعيد مغامرات النشال التائب عبد العزيز النُص وفريقه ومغامراتهم ضد المحتل البريطاني في مصر في ثلاثينيات القرن العشرين العام الماضي. ومع دخولهم حقبة الأربعينيات في الجزء الثاني من المسلسل يتحول المسلسل لتيمة الجاسوسية في إطار كوميدي، مع الحفاظ على تصميم الإنتاج والديكور والملابس والمكياج المميزين لهذا المسلسل. بينما يذهب "عرض وطلب" لمنطقة التبرع بالأعضاء كمحور أساسي في المسلسل، والتعامل مع متلازمة داون عند الأطفال كخط درامي موازي، الأمر الذى يعكس مساحة ربما تكون غائبة وسط كل هذا التنوع الكبير وشهرة بعض الأنواع الدرامية الطاغية مثل نوعية "البطل الشعبي" والقصص القادمة من المنطقة الشعبية دون أن يطال التنوع قصص وشخصيات من الطبقة الوسطى المتعلمة وصراعها مع مطالب الحياة.كل المسلسلات المذكورة تؤكد أن الـ15 هي الأفضل من الناحية الفنية، وأيضًا من الناحية التقنية والإنتاجية. ولا يمكن إغفال أهم مميزاتها وهى زيادة نسبة تشغيل العاملين في الصناعة أمام وخلف الكاميرا. وهذا النجاح الكبير يرفع السقف أيضًا لإمكانية تقسيم المسلسلات إلى عشر حلقات، وتنتج 3 مسلسلات بدلًا من اثنين. الأمر الذي يرفع من نسبة التنوع في موسم رمضان بشكل أكبر وأوسع، أسوة بنجاح تجربة مسلسلات الـ10 حلقات في الموسم خارج رمضان.