حمّل المفكر الدكتور عبدالإله بلقزيز، الرأسمالية مسؤولية تغيير القيم؛ لدفع المجتمعات إلى أن يعيشوا من أجل أن يستهلكوا! موضحاً، أنّ إستراتيجية تنمية المنزع الاستهلاكي لدى الناس أحرزت نجاحاً بمخاطبة الغرائزي واستدراجه، بوسائل الإغراء المختلفة، إلى النزوع نحو الإفصاح عن الرغبة في إشباع حاجاته.
ولفت إلى أنّ مهندسي الاستهلاك، ومروضي الغرائزي، يجدون أنفسهم مدفوعين إلى استثمار كلّ خبرة تتيح لهم اكتناه مكنونات النفسيات الإنسانيّة (الفرديّة والجماعيّة)، وتسخير الوسائل التّرغيبية جميعِها لاستثارة تلك المنازع، والإستراتيجيّة تنبئ عن مشروع متكامل ابتنى هندسته من معارف علميّة عن الإنسان - جسداً ونفْساً - وتَوَسّل إلى استدراجه، أدوات الإغراء المختلفة؛ المكتوبة والمسموعة والمرئيّة، ووفّر لنفسه الجسمَ الضّروريّ من خبراء الهندسة الإنتاجيّة ومن خبراء التّسويق، لنغدو بإزاء صناعةٍ كاملة تُجَنَّد فيها المواردُ الماليّة الهائلة، والمواردُ البشريّة العالية الكفاءة، قصد إنتاج ما هو شرطٌ ابتدائيّ لكلّ منتوج متمثلاً في «تهيئة المستهلك وتنمية روح الاستهلاك فيه».
صناعة الاستهلاك
أشار بلقزيز إلى أن جيوشاً من خبراء تنخرط في صناعة الاستهلاك، بتجنيد من الرّأسمالية لهذا الغرض، وأن تتدخّل مؤسّسات عدّة ومتنوّعة في الورشة الضّخمة في شكل من الشّراكة التّعاقديّة التي ربما تصل -في بعض الأحيان- إلى حدّ الاندماج. في شبكةٍ متناسقة من وحدات الإنتاج، والمختبرات العلميّة، ومؤسّسات الإعلانات، ومؤسّسات التّسويق، وفرقِ عملٍ متخصّصة من مهندسي الإنتاج، ومن الخبراء في مجالات متخصّصة، منها شبكات إعلاميّة خاصّة، أو متعاقَد معها على برامجَ لخدمة المشروع، وربما تكون المؤسّسات المنصرفة إلى تنمية الاستهلاك تابعةً لشركاتٍ بعينها، أو لمجموعة استثماريّةٍ مندمجة، وربما تكون مستقلّة عنها في شخصيّتها القانونيّة والإداريّة، ومرتبطة بها بعقود عملٍ مشتركة، إلا أنّ وظائفها حاسمةً ولا غنًى عنها بالنّسبة إلى أيّ مشروعٍ استثماريّ في مجالات الاقتصاد الاستهلاكيّ.
مخاطبة الغرائز
يرى بلقزيز، أنّ النّجاح في مخاطبة الغرائزيِّ في الإنسان، واستثارتِه وتحريكِه بوسائل الإغراء، لا يتحقّق على مبْنًى افتراضيّ، أي بمجرّد التّرغيب في الاستهلاك (الغِذائيّ أو الاقتنائيّ أو الاستمتاعيّ والاستجماميّ...)، ولا يتولّد منه -ضرورةً- دفْعُه إلى الإفصاح عن الرّغبة في إشباع حاجةٍ مّا، بل هو يكتمل -فقط- بالتّفنُّن في تقديم المعروض المُغري إليه على نحوٍ يحيِّد فيه القدرةَ التّنافسيّة لتشبيهه المنافِس، بما «يُقنع» المستهلِك بأنّه أمام المعروض المناسب -قيمةً وسِعراً- الذي يرغب فيه ويرى فيه ما سيُشبع حاجَته، ولذلك تسعى مؤسّسات الإنتاج إلى تجويد منتوجاتها الاستهلاكيّة كي تظفر بالطّلب المناسب عليها، وتساعدها مؤسّسات تنمية الاستهلاك، على مطابَقَة إنتاجيّتها لرغائب المستهلك.
وأضاف بلقريز أنّ هناك مشكلتين كبيرتين تظلاّن تلازمان كلّ سعيٍ من تلك المؤسّسات إلى التفنُّن في تصنيع منتوجاتها الاستهلاكيّة، واحتكار مجال الاستهلاك، هما؛ المنافسة المحتدمة بين الشّركات والمجموعات الإنتاجيّة داخل البلد الواحد وفي العالم، كونها تحُدّ من القدرة على السّيطرة على مجتمع المستهلكين من قِبل واحدة منها منفردةً ولو ارتفع سهمُها في مجال تجويد المنتوجات، ومستويات القدرة الشّرائيّة العامّة المنخفضة التي تكبح منزِع الاستهلاك، لتدنّيها، والتي لا يجد المنتجون الكبار حلّاً لها إلى الآن، لعلاقة ذلك الحلّ بتطوّر برامج التّنمية، ما خَلا العمل بنظام أقساط الدّفع بدلاً من القروض البنكيّة. وذهب إلى أنّ الرّأسماليّة ربطَت كلّ قيمةٍ اجتماعيّة بالاستهلاك! بما في ذلك التّحصيل المدرسيّ والعلميّ والعمل، ولم تعد لها من وظيفة سوى تنمية الموارد الماديّة لتحصيل القدرة على الاستهلاك، بتوظيف جيش جرّار ينخرط في معركة تصيير الاستهلاك هاجسَ البشريّة اليوميّ الذي يُفني ملاييرُ النّاس قواهُم في سبيله، علماً بأنه كان النّاس في الماضي يستهلكون ما يُنتجه عملُهم من أجل أن يعيشوا، وأصبحوا يستهلكون -الآن- ما لا ينتجونه «أيضاً من أجل أن يعيشوا».
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
