belbalady.net دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)-- من شواطئ بيرث في جنوب غرب أستراليا، يمكن رؤية تلّ أزرق شاهق يبرز من الأفق. في بعض الأيام يبدو قريبًا لدرجة أنك تشعر وكأنك تستطيع لمسه، وفي أيام أخرى يختفي خلف الضباب أو السفن العابرة. ويقول غلين ستاسيوك، وهو محاضر في جامعة مردوخ ومخرج الفيلم الوثائقي الصادر عام 2014 بعنوان "Wadjemup: Black Prison — White Playground": "أحيانًا يريد أن يُرى، وأحيانًا يريد أن يختبئ في الظلال. إنه كيان له نبض". الكوكا هو الثدي الوحيد الذي يستوطن جزيرة "روتنست".Credit: Tim Campbell/Rottnest Island Authority تقع جزيرة "روتنست"، أو "وادجيموب" كما يسميها شعب "نونغار" من السكان الأصليين، على بُعد 19 كيلومترًا قبالة ساحل فريمانتل. ويزورها أكثر من 800 ألف شخص سنويًا للاستمتاع بشواطئها ذات الرمال البيضاء ومياهها الصافية البلورية، وحيوان الكوكا المحلي، وهو جرابي لطيف اشتهر على "إنستغرام" بابتسامته في صور "السيلفي". ويوضح لين كولارد، الأستاذ الفخري في جامعة أستراليا الغربية وهو شيخ من شعب "نونغار"، أنّ "وادجيموب" يعد مكانًا روحيًا بالنسبة لأوصيائها التقليديين. ويقول: "في قصة نونغار، عندما يموت الأشخاص، تغادر أرواحهم أجسادهم وتسافر غربًا إلى الجزر، إلى مكان الأشباح". وأضاف كولارد: "لطالما كانت وادجيموب مسكنًا للأرواح، لكنها أصبحت بالتأكيد أكثر روحانية بعد النظام الاستعماري، بعدما تحولت إلى الموقع الذي شهد أكبر عدد من وفيات السكان الأصليين أثناء الاحتجاز في أستراليا". سجن للسكان الأصليين يعد شاطئ "بينكي" (في الصورة) أحد الامتدادات الساحلية الخلابة التي جعلت جزيرة "روتنست" الأسترالية وجهة سياحية شهيرة.Credit: Adam Seward/imageBROKER/Shutterstock أصبحت الجزيرة سجنًا للفتيان والرجال من السكان الأصليين لمدة 93 عامًا بدءًا من عام 1838. وصل أوائل السجناء عبر القارب، وناموا في كهفٍ ساحلي بينما كانوا يستخرجون الحجر الجيري ويبنون السجن بأنفسهم. وكان معظم النزلاء متهمين بسرقة الماشية أو الطحين، بحسب ستاسيوك. كان النظام "غريبًا تمامًا" على هؤلاء الرجال والفتيان، وفقًا له، إذ وُجهت إليهم التهم واعتُقلوا، وصدر الحكم بحقهم بلغة لم يفهموها. وفجأة وجدوا أنفسهم مُرسَلين إلى جزيرة، غير متأكدين إن كانوا سيرون أحبّاءهم مجددًا أو متى. يتمتع المكان برمزية عميقة لشعب "نونغار" الأصلي.Credit: Tim Campbell/Rottnest Island Authority وقطع بعض النزلاء مسافات طويلة ومؤلمة نفسيًا، من بينها منطقة كيمبرلي النائية التي تبعد أكثر من ألفي كيلومتر. وبحسب كولارد، نُقل كثيرون مُقيّدون بالسلاسل من أعناقهم وأذرعهم وأرجلهم، وهي ممارسة لم تكن نادرة آنذاك. وبمجرد وصولهم إلى "وادجيموب"، أُجبر السجناء على أعمال شاقة قاسية، فاستخرجوا المواد وبنوا البنية التحتية للجزيرة. وأشار كولارد إلى أنّ عملية البناء ساعدت المستعمرة على تبرير نفقات إنشاء السجن، إذ كان يمكن استغلال السكان الأصليين لاحقًا كيد عاملة رخيصة في مشاريع أخرى بعد مغادرتهم الجزيرة. ولم تكن الحياة في الزنزانات أسهل، إذ كانت مكتظة، وانتشرت الأمراض فيها. وتفاقمت هذه الظروف الوحشية في عهد هنري فينسنت، أحد المشرفين الذي وصفه ستاسيوك بأنّه "همجي". وقال: "كان يقيّد الرجال.. ويضرب السجناء، ويطلق النار عليهم". استُخدمت الجزيرة كسجن للفتيان والرجال من السكان الأصليين لمدة 93 عامًا. وتظهر الصورة مجموعة من السجناء من السكان الأصليين مجهولي الهوية في الجزيرة، في عام 1920 تقريبًا.Credit: State Library of Western Australia أكّد ستاسيوك أنّ فينسنت لم يُدان بأي من هذه الجرائم، وحملت أحد شوارع الجزيرة اسمه حتى عام 2022. وبحلول أواخر القرن الـ19 تصاعدت الدعوات لإغلاق السجن بالتوازي مع إنشاء سجون أخرى في البر الرئيسي وتزايد الرغبة في استخدام "وادجيموب" لأغراض ترفيهية. وفي عام 1902، وبعد 93 عامًا من التشغيل، أُغلق السجن رسميًا. وسُجن نحو 4 آلاف رجل وفتى من السكان الأصليين في "وادجيموب". ومن بين 373 توفوا هناك، دُفن معظمهم في قبور بلا شواهد. وجهة سياحية كان وادجيموب سجنًا للفتيان والرجال من السكان الأصليين من عام 1838 إلى عام 1902. وقد أُحضر بعض النزلاء مكبلين بالأغلالCredit: Birdhouse Media/Rottnest Island Authority واليوم، لا يدرك العديد من السياح الذين يزورون "وادجيموب" تاريخها المفجع، إذ يتجولون بدراجاتهم في طرقها الواسعة تحت الشمس الساطعة، ويغوصون في شعابها المرجانية، أو يتمشّون في البلدة الاستعمارية، وهو تناقض صارخ بين هذه الوجهة الحالمة وماضيها المدفون والمُقلق. وبدأت الجزيرة إعادة تشكيل نفسها كوجهة سياحية بعد فترة وجيزة من إغلاق السجن، إذ حوِّل مبنى الزنازين الرئيسي إلى أماكن إقامة للعطلات عام 1911. ومع هدم الجدران وتركيب السباكة والكهرباء، دُمّر الإرث التاريخي للمبنى، بحسب كولارد. كما تحوّلت مناطق الدفن التي تضم القبور غير المعلَّمة إلى موقع تخييم عُرف باسم "Tentland". ولمدة 90 عامًا، كان الزوار ينامون على بُعد قدمين فقط فوق أحد أكبر مواقع دفن السكان الأصليين في أستراليا. ورغم اكتشاف بقايا عظمية في الموقع عام 1970، لم يُغلق المخيم رسميًا إلا في عام 2007. وفي عام 2018، توقف السجن السابق عن العمل كمنتجع سياحي. بناء منارة اليوم، يمكن للسياح الذين يزورون جزيرة روتنست التوقف عند متحف وادجيموب أو الانضمام إلى جولات ثقافية متنوعة يقودها مرشدون محليون من السكان الأصليين.Credit: Russell Ord/Rottnest Island Authority وبالنسبة لأفراد شعب "نونغار" مثل كولارد، تظل "وادجيموب" رمزًا عميقًا. وقال: "إنّها أشبه بحارس، أو منارة تُلقي الضوء لتُظهر للناس أن شيئًا ما موجود هناك". ويتفق ستاسيوك معه، مؤكدًا أهمية تذكّر التاريخ الأصلي للجزيرة. وفي عام 2020، بدأت هيئة جزيرة "روتنست" تنفيذ "مشروع وادجيموب" "للاعتراف رسميًا بتاريخ الجزيرة في سَجن السكان الأصليين ووفياتهم أثناء الاحتجاز، من خلال قول الحقيقة وإقامة الطقوس وإحياء ذكراهم". ويشمل المشروع تكريم أرض الدفن، والحفاظ على مبنى السجن الأصلي، وإقامة مراسم ثقافية لتيسير الشفاء. وقد أُقيم ما يعرف بـ "درب الأرواح" عام 2024، حيث حضر نحو 200 شخص من السكان الأصليين من مختلف أنحاء البلاد مراسم ثقافية خاصة لتحرير أرواح المدفونين في الجزيرة. ويمتزج هذا التاريخ المعقد مع الهوية السياحية الحديثة للجزيرة من خلال الجولات الثقافية التي يقودها السكان الأصليون. وتشير هيئة جزيرة "روتنست" إلى أنّها ملتزمة بمواصلة العمل مع مجتمع السكان الأصليين "لضمان مشاركة تاريخ الجزيرة بصراحة وصدق". قد يهمك أيضاً إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع."جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"