اقتصاد / صحيفة الخليج

الذكاء الاصطناعي يُثبت صحة تنبؤات كينز

د. عبد العظيم حنفي*

قد تنطلق العقول العظيمة في مسارات غير متوقعة. ففي عام 1930، خصص جون ماينارد كينز بعض الوقت من تفكيره في الكساد الكبير، الذي تسبب في فقدان الملايين لوظائفهم، ليكتب مقالاً شيقاً حول «الإمكانيات الاقتصادية لأحفادنا». وتساءل: كيف ستكون الحياة بعد مئة عام؟
وكانت إجابته: «سيثبت الكساد أنه مجرد عثرة مؤقتة، وسيعود التقدم الاقتصادي إلى مساره الإيجابي، وسيتمكن أحفادنا من تلبية جميع احتياجاتهم المادية بالعمل 15 ساعة أسبوعياً. لكن هذا سيترك ما أسماه كينز «المشكلة الدائمة للجنس البشري». كيفية استغلال التحرر الناتج عن الضرورات الاقتصادية لعيش حياة كريمة، أو كما قال كينز: «كيف نعيش بحكمة ورضا ورفاهية».
وهناك من النقاد مَن يرى أن عمل كينز حول مشكلة وقت الفراغ لم يحظ بالتقدير الكافي الذي يستحقه، وهناك من يرى أن كينز قلّل من شأن مدى ميل الناس إلى توسيع مفهوم «الكفاية» أو تفضيلهم العمل على وقت الفراغ.
ومع ذلك، ترى تحليلات أن كينز لم يكن مخطئاً تماماً، فقد أثبت الخبير الاقتصادي روبرت ويليام فوغل - الحائز على جائزة نوبل مناصفة مع دوغلاس نورث عام 1993- أن متوسط عدد ساعات العمل المدفوعة الأجر طوال حياة الفرد انخفض من 182,100 ساعة عام 1880 إلى 122,400 ساعة عام 1995، أي بانخفاض قدره 33% في عصر شهد ارتفاعاً في متوسط العمر المتوقع. وبين عامي 2000 و2019، انخفض نصيب الفرد من ساعات العمل في الولايات المتحدة من 926 ساعة إلى 885 ساعة. كما أثبت فوغل أنه بينما كانت 74% من ميزانيات المستهلكين تُنفق على الضروريات (الغذاء والمأوى والملابس) عام 1875، فقد ارتفعت هذه النسبة إلى 68% بحلول عام 1995.
علاوة على ذلك، قد يُثبت الذكاء الاصطناعي صحة نظرية كينز بشكلٍ مذهل في الوقت المناسب تماماً لنهاية القرن الذي حدده. بدأت ثورة الذكاء الاصطناعي تُحدث في مجال العمل المعرفي ما أحدثته الحصادات في الوظائف الزراعية والمصانع في الوظائف الميكانيكية، حيث تُمكن المهام الروتينية التي كانت حكراً على البشر قبل أن تنتقل بلا هوادة إلى أعلى سلسلة القيمة. وتقوم العديد من الشركات كثيفة المعرفة بإلغاء وظائف الإدارة الوسطى وتقليص توظيف الخريجين الجدد. وقد أظهر «ياشا مونك»، عالم السياسة، مؤخراً أن الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج ورقة بحثية جيدة جداً في النظرية السياسية.
ويبقي التساؤل المثار: ما العمل إزاء التهديد المحتمل للذكاء الاصطناعي بفقدان الوظائف؟ ترى تعليقات أن معظم التحليلات تناولت هذه المشكلة من منظور اقتصادي ضيق. كيف نضمن حصول الخاسرين على ما يكفيهم من المال للعيش؟ وكيف نحافظ على الطلب في عالم أصبح فيه العمال فائضين عن الحاجة؟ وقد روّج وادي السيليكون لفكرة الدخل الأساسي الشامل. ويؤيد بعض الاقتصاديين التقدميين فكرة فرض ضرائب على الروبوتات أو أنظمة تكنولوجيا المعلومات. لكن، كما يجادل بعض الكتاب، فإن مشكلة كينز الملحة بنفس القدر، هي كيفية ضمان استغلال الناس لأوقات فراغهم المتزايدة استغلالاً جيداً بدلاً من استغلالها بشكل مدمر. إن أكبر مشكلة في فقدان الوظائف هي أن الوظائف ليست مجرد وسيلة لكسب العيش. فهي توفر للناس مزيجاً من الفوائد النفسية: الروابط الاجتماعية، والشعور بالفخر وتقدير الذات، والإحساس بالإنجاز، وإعطاء معنى للحياة.
كما قد يكون السؤال المتعلق بالمكافآت غير الاقتصادية أكثر إلحاحاً في مجال العمل المعرفي. فالعاملون في هذا المجال يسهرون الليالي لأنهم يستثمرون الكثير من أنفسهم في عملهم. إنهم يستمدون الرضا الشخصي ليس فقط من استخدام قدراتهم العقلية، بل أيضاً من الرضا الاجتماعي، ويُقدّرون المكانة التي تأتي من كونهم محامين أو أكاديميين مرموقين. وقد حذّر كينز من أن الانتقال من العمل الجماعي إلى الترفيه الجماعي قد يُؤدي إلى «انهيار عصبي عام» مع فقدان الناس لركائزهم التقليدية في الاقتصاد الإنتاجي. وقد حدث هذا بالفعل في أنحاء العالم ما بعد الصناعي. وقد ظنّ البعض، أن بإمكانهم حلّ مشكلة الرأسمالية ما بعد الصناعية بفرض ضرائب على الرابحين، لكنهم لم يُدركوا مدى ارتباط احترام الذات لدى الناس بكسب العيش. وقد أدّى السخط الناتج إلى وباء «وفيات اليأس»، حيث أقدم الناس على الانتحار بالخمر أو المخدرات، إضافة إلى ثورات خروج من الاتحاد الأوروبي تنبئنا تحليلات أننا نشهد بالفعل بوادر هذه الأزمة بين الشباب باعتبار أن الذكاء الاصطناعي لا يُدمر وظائف المعرفة فحسب، بل يُشوه اقتصاد المعرفة الأوسع، وينشر الفوضى المعرفية. علينا أن نعتبر هذا بمنزلة تحذير!. كان كينز مخطئاً في اعتقاده أننا سنحلّ يوماً ما مشكلة الضرورة: فالحكومات، وبحق، منشغلة بمشكلة النمو المنخفض ونقص السلع الأساسية كالمنازل. لكنه كان مُصيباً مع ذلك في أن مشكلة العيش الكريم ستتفاقم باستمرار مع ازدياد تأثير التكنولوجيا في توسيع أوقات الفراغ.
* كاتب مصري

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا