الشارقة: سارة المزروعي
تسترجع سهيلة العبدولي، من إمارة الفجيرة، ذكريات رمضان كل عام، وكأن الشهر الكريم لا يعود بموعده فقط، بل يعود معه أرشيف كامل من الأصوات والصور التي لا تشبه أي وقت آخر.
تأتي ليالي رمضان محمّلة بأجواء استثنائية، تفتح أبواب الذاكرة على مصراعيها، فتستيقظ تفاصيل صغيرة لم ننتبه لقيمتها وقتها، لكنها أصبحت اليوم جزءاً من حكايتنا مع الشهر الكريم.
ليست الذكريات هنا مرتبطة بالطعام وحده، بل بما كان يملأ المكان صوتاً وصورة، من الإعلانات التي تمر بين المسلسلات، إلى البرامج التي جمعت العائلة حول الشاشة، والمشاهد التي تحولت إلى علامات ثابتة في الوجدان كلما عاد رمضان من جديد.
في وقت العصر، كانت الزوايا تعجّ بحركة من بالبيت، وصوت العائلة وهي تستعد لاستقبال موعد الإفطار، بينما تسبق رائحة القهوة كل شيء، لتعلن أن الوقت يمضي نحو لحظته الأجمل. وفي المطبخ، كانت أمي تحرص على إعداد خبز الرقاق يومياً، تقطّعه بعناية، لتكتمل به سفرة رمضان وطبقها المميز الثريد، «ملك السفرة» كما اعتدنا أن نسميه في بيوتنا.
وفي الجانب الآخر من الذكريات، كان أبي يحمل روح رمضان إلى الخارج، لا يكتفي بأن يفرح البيت بالمائدة، بل يحرص على أن تصل البركة إلى مسجد الحي. كان يجهّز صينية كبيرة ممتلئة بالفواكه والتمر، ووجبة رئيسية، وأشياء تروي ظمأ الصائم، ثم يمضي بها قبل الأذان بثبات ورضا، كأنه يؤدي طقساً ثابتاً لا يتغير مهما تبدلت الأيام.
وبعد الإفطار، وعلى الحصير المتواضع في حوش البيت، تتخذ السهرة طابعها الخاص. أحاديث خفيفة تجمع إخوتي وأخواتي، ودلة القهوة تتوسط الجلسة، ثم يبدأ المشهد الذي لا يُنسى: يتجمع البعض عند التلفاز، وتبدأ ساعات المتعة الرمضانية، وكان مسلسل «حاير طاير» الإماراتي واحداً من أكثر الأعمال التي ارتبطت بضحكاتنا بعد الإفطار، بطرحه الكوميدي ومواقفه القريبة من الناس.
لم تكن الشاشة آنذاك مجرد متابعة، بل كانت موعداً يومياً للّمة، تتخلله إعلانات لا تزال عالقة في الذاكرة، مثل «إعلان الحذيفة» الشهير بالمفروشات الراقية، الذي كان يمر وكأنه جزء من البرنامج نفسه، حتى أصبح مع الوقت أحد الأصوات والصور التي نستعيدها تلقائياً كلما تذكرنا تلك الليالي.
ومن أجمل ما أحتفظ به في قلبي من ذكريات رمضان، تلك اللحظات التي تأتي في آخر ثلاثة أيام من الشهر، حين يقترب موعد زكاة الفطر وتبدأ حركة مختلفة في الحي، حيث أحب عادة توزيع أكياس الأرز وتبادلها بين الجيران.
تلك التفاصيل البسيطة كانت تصنع معنى عميقاً للمحبة والتكافل، وتُشعرنا بأن رمضان لا يودّعنا إلا وهو يترك فينا أثراً من الخير لا يختفي.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
