كتب محمد أبو ضيف
الإثنين، 16 مارس 2026 02:32 صفي السادسة عشرة من عمره، وبينما كانت شوارع القاهرة تضج بموسيقى العروبة وأحلام النهضة الكبرى، كان هناك شاب نحيل يسير في شوارع حي مصر الجديدة بخطوات متثاقلة، يحمل في صدره غلياناً لا يتناسب مع سنه الصغيرة. هذا الشاب هو محمود عزت، الذي لم يكن يعلم حينها أن القدر سيختاره ليكون "رأس الأفعى" في تنظيم إرهابي سيعيث في الأرض فساداً بعد عقود.
نحن هنا لا نؤرخ لعام عادي، بل نستكمل معكم هذه السلسلة الوثائقية التي تتبع خيوط المؤامرة من جذورها، لنصل إلى المحطة التي تشكل فيها "ثعلب الجماعة" نفسياً وفكرياً وسط "عش الدبابير" تزامنا مع عرض مسلسل رأس الأفعى.
الصدمة الحضارية.. مراهق "قطبي" في حي الأرستقراطيةعام 1960 كان العام الذي انتقل فيه محمود عزت للعيش مع والده وأسرته في حي مصر الجديدة، ذلك الحي الذي كان وما زال يمثل واجهة الرقي والتحضر في العاصمة المصرية.
لم يكن انتقال "عزت" مجرد تغيير في العنوان الجغرافي أو انتقال من منزل إلى آخر، بل كان "صداماً حضارياً" ونفسياً زلزل أركان عقله المراهق. وجد الشاب الذي تشبع في طفولته المبكرة بحكايات التنظيم السري وهمسات التشدد، نفسه وجهاً لوجه مع مجتمع "متحرر" بمقاييسه الضيقة؛ حيث الفن، والسينما، والنساء المثقفات، والشباب المنفتح على الثقافة العالمية.
بدلاً من أن يندمج "عزت" في هذا المجتمع الذي حاول والده إقحامه فيه، حدث رد فعل عكسي تماماً. تقوقع الشاب داخل نفسه، وشعر باغتراب هائل جعل كل مشهد للتحضر في شوارع مصر الجديدة يتحول في نظره إلى "جاهلية" يجب اعتزالها. هنا ولدت "عقدة النقص" التي تحولت لاحقاً إلى "حقد طبقي وفكري" ضد كل ما يمثل الدولة المدنية.
لقد كان يرى في جيرانه وأقرانه "أعداءً للفضيلة"، فبدأ يبني جدران عزلة نفسية كانت أقوى من أي أسوار سجن، ليكون هذا العام هو البداية الفعلية لعملية "غسيل الدماغ الذاتي" التي قام بها لنفسه نكاية في مجتمعه الجديد.
ناصر يبني السد.. وعزت يبني الكراهيةبينما كان محمود عزت يغرق في ظلام أفكاره، كانت مصر تعيش أزهى عصور المد القومي الناصري. في عام 1960، كان اسم جمال عبد الناصر يهز عواصم العالم، وكانت القاهرة هي "بوصلة" السياسة الدولية وقبلة الثوار من كل قارات الأرض.
في يناير من ذلك العام، وقف ناصر ليضع حجر الأساس للسد العالي، ذلك المشروع المعجز الذي لم يكن مجرد بناء من خرسانة، بل كان عنواناً لكرامة المصريين وقدرتهم على تحدي المستحيل.
شاهد عزت بعينيه المراهقتين احتفالات المصريين بهذا الانجاز، وشاهد في مايو من العام نفسه قرار تأميم الصحافة الذي جعل الكلمة في خدمة المشروع الوطني. لكن الغريب أن هذا الصعود المبهر لم يزد "الثعلب" إلا حنقاً. فبينما كان المصريون يهتفون "يا ناصر يا حبيب الشعب"، كان عزت يجلس في غرفته المظلمة يقتات على بيانات الجماعة السرية التي تصف ناصر بـ "الطاغية".
لقد كان يرى في المصانع التي تفتح أبوابها وفي الوحدة مع سوريا مجرد أدوات لتعزيز سلطة الرجل الذي قمع جماعته، متجاهلاً تماماً أن هذه الإنجازات كانت ترفع اسم مصر في عنان السماء. هذا التناقض الصارخ رسم ملامح الشخصية "القطبية" التي لا ترى في الوطن إلا مجرد "حفنة من تراب عفن" إذا لم يكن تحت حكم تنظيمها.
انكسار الجماعة.. والبحث عن "رأس الأفعى"في عام 1960، كانت الجماعة الإرهابية تعيش ما عرف بـ "المحنة الكبرى"؛ حيث كانت تحت وطأة حظر قانوني صارم وملاحقة أمنية بدأت منذ محاولة اغتيال ناصر في حادثة المنشية. قادة الصف الأول كانوا خلف القضبان، والتنظيم كان يعاني من "شلل إكلينيكي".
في هذا المناخ من "الكمون الإجباري"، كان محمود عزت يراقب المشهد بذكاء "الثعلب". رأى انكسار كبار الجماعة، وبدلاً من أن يتعظ، قرر أن يكون هو "المرمم" لهذا الهيكل المنهار، ولكن بأسلوب أكثر سرية وأشد فتكاً.
داخل السجون في ذلك الوقت، كان سيد قطب يكتب "معالم في الطريق"، وهي الأفكار التي تلقفها عزت بشغف المراهق المتمرد. وجد في تكفير المجتمع وتكفير الحاكم مبرراً شرعياً لرفضه لمجتمع مصر الجديدة ولحلمه بهدم الدولة الناصرية.
كانت الجماعة في نظره في ذلك العام ليست مجرد تنظيم سياسي، بل "عصابة مؤمنة" في مواجهة مجتمع كافر، ومن هنا بدأ يخطط لدوره القادم؛ الدور الذي لا يعتمد على الصدام المباشر كما فعل قادة المنشية، بل يعتمد على "التغلغل الهادئ" و"الصبر الاستراتيجي".
إرث "الكمون" وحقد الزنازينلقد شكل عام 1960 العمود الفقري لشخصية محمود عزت الإجرامية. فبينما كانت الدولة تخوض معارك عدم الانحياز وتبني صروح الصناعة، كان هو يغرس في أعماق جهازه التنظيمي بذور "الحقد الأسود".
تعلم في هذا العام كيف يختبئ، وكيف يلبس قناع "المواطن العادي" بينما قلبه ينبض بالولاء للمرشد فقط. إن تلك المراهقة المنعزلة هي التي أنتجت لنا لاحقاً الرجل الذي لم يهتز له جفن وهو يأمر بتفجير مديريات الأمن واغتيال النائب العام.
إن حكاية محمود عزت في الستينيات هي حكاية الصدام بين "مشروع بناء دولة" وبين "مشروع هدم وطن". رحل ناصر وبقي السد العالي شاهداً على الإخلاص، وسقط محمود عزت وبقيت ذكراه مقرونة بالدم والخيانة. لقد أثبتت الأيام أن "رأس الأفعى" التي بدأت تنمو في عام 1960 تحت غطاء المراهقة والاغتراب، لم تكن سوى أداة في يد قوى الظلام، وأن الدولة التي حقد عليها عزت الشاب هي نفس الدولة التي أسقطته شيخاً هالكاً في قبضتها، ليعلم العالم أن الحق دائم والباطل كان زهوقاً.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
